أكثر القراءات قُرباً إلى الواقع، وإقتراباً منه، في ما يخص متفجِّرة طرابلس أنّها شاءت أن تستهدف القمة اللبنانية - السورية وما يمكن أن يصدر عنها من نتائج، أو على الأقل أن يُغطي دخانها الأضواء التي يمكن أن تُسلَّط على هذه النتائج، ولعل المخطّطين (وبالطبع ليسوا هواة بل محترفين) يملكون معطيات عما يمكن أن تحققه القمة، فضربوا ضربتهم لضرب نتائجها.
حين إنتُخب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، زارته القائمة بالأعمال الأميركية في لبنان و(جسّت النبض) حول إمكانية أن توجَّه إليه دعوة لزيارة واشنطن، أرادت الإدارة الأميركية من هذا التمني أن توحي أن الرئيس سليمان هو (رجل أميركا) بدليل زيارته الأولى لها. ردَّ الرئيس سليمان بلباقة فهمت من خلالها السفيرة سيسون أن زيارة واشنطن سابقة لأوانها وأنه لا بد أن تسبقها زيارة إلى عواصم أقرب ولا سيما دمشق.
العاصمة السورية المعروف عنها أنها تتابع التفاصيل وتُدقّق فيها، إرتاحت إلى موقف الرئاسة اللبنانية وقدَّرت للرئيس سليمان هذه (الأولوية) الخارجية. بداية التقدير كانت في اللقاءات الحارة بين الرئيسين في العاصمة الفرنسية، وهذه اللقاءات أسست لقمة اليوم.
الرئيس سليمان، حتى حين كان قائداً للجيش، وحتى حين كانت العلاقات اللبنانية - السورية في الأعوام الثلاثة الأخيرة، في أقصى تدهورها، لم (يقطع الخيط) مع دمشق، ويذكر الجميع كيف أنه إتصل بالرئيس بشار الأسد خلال معارك نهر البارد في الصيف الماضي لشكره على المساعدة التي قدّمها للجيش.
سوريا التي تعمل على فك العزلة العربية والدولية عنها، والتي بلغت ذروتها في مقاطعة القمة العربية في دمشق، ترى في زيارة الرئيس سليمان وجهاً من وجوه فك العزلة، وهي من أجل ذلك أحاطت هذه الزيارة بالحفاوة البالغة لتوجِّه رسائل في أكثر من إتجاه، لبنانياً وعربياً ودولياً، من أنها تُعطي الرئيس اللبناني.
هذه العطاءات ستظهر تباعاً إن لجهة التبادل الديبلوماسي بين البلدَين، وهذه الخطوة هي الأولى منذ أربعينات القرن الماضي، وإن لجهة (تحديث) بعض بنود معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا، بما يتلاءم مع الواقع الجديد بين البلدين. ومن الملفات التي ستسلك طريقها إلى المتابعة ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا.
القمة اللبنانية - السورية يبدو أنها عازمة على ترجمة مقولة (إن لبنان لا يُحكَم من سوريا ولا يُحكَم ضد سوريا)، يبدو أن هذا النهج هو الذي يسير عليه الرئيس سليمان، وفي غياب أي نهج بديل، يبدو أنه الأكثر إفادة للبلدَين.
صحيح أن العبرة في الترجمة والتنفيذ، لكن الصحيح أيضاً أن مؤشرات العلاقات السليمة قد بدأت، وتلك هي المصلحة الحقيقية للبلدَين.
