لم يكن أحد يسمع تقريباً بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا والعديد من المناطق في آسيا الوسطى والبلقان وغيرهما أثناء الحقبة الشيوعية. ليس لكون أنها لم تكن موجودة أو لأنها كانت تنعم بحالة من الاستقرار الهادئ بعد أن وجدت كل مشاكلها حلولا «مرّة واحدة وإلى الأبد».
وها هي أوسيتيا الجنوبية تحتل هذه الأيام صدارة الأخبار في العالم. إنها السبب المباشر في الحرب بين روسيا وجورجيا. إنها «السبب» تحديدا وحصريا فرهانات هذه المواجهة تتجاوز كثيرا ذلك الإقليم الصغير الذي يقطنه بضع عشرات الآلاف من البشر والذي لا تزيد «قواته المسلّحة» عن خمسة آلاف عنصر.
مهما قيل عن هذه العملية من قبل الأطراف الداخلة فيها مباشرة وعن مسؤولية اندلاعها أو عن الأهداف الكامنة وراءها أو التي «حققتها» فإنها ذات أبعاد تتجاوز إطارها المحلّي ولحظتها الراهنة وتندرج في منظور استراتيجيات مستقبلية. هذا ما تدلّ عليه عدّة معطيات.
أنها المرّة الأولى التي يقوم فيها الجيش الروسي بعد انهيار النظام الشيوعي بعمليات عسكرية خارج الحدود ضد دولة أخرى على غرار ما كان قد فعله «الجيش الأحمر» في أفغانستان. تأتي هذه العملية في سياق من القلق الروسي حيال سلوكيات غربية عامة، وأميركية خاصة، حيالها.
وليس أقلّها السعي إلى توسيع إطار الحلف الأطلسي والإصرار على استقلال كوسوفو وبناء شبكة الدرع الصاروخية الأميركية في جوارها الأوروبي. وذلك كله ضد إرادتها، بل من أجل «سلب إرادتها» أو على الأقل «إخضاعها».
ومهما قيل بخصوص أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا فإن العيون الروسية ترصد بقلق كبير منذ فترة طويلة «تمدّد» الحلف الأطلسي حتى تخومها وهي اليوم قررت، عبر عملية عسكرية مدروسة ومخطّط لها دون شك منذ زمن، أن تضرب بيدها على الطاولة وتقول «كفى».
ثمّ إن روسيا كانت قد احتجّت بقوّة على استقلال كوسوفو وحذرت من «عواقبه» بل وتحدّثت عن «خطوط حمراء» لا تسمح بتجاوزها. والوضع اليوم هو في «العواقب» وفي مجال محاولة إعادة «ترسيم» الخطوط الحمراء.
ومن الواضح أن روسيا تريد أن توجّه رسالة إلى «المعنيين» أنها قد «استوفت» شروط القوّة التي تسمح لها بالتحرّك على أساس ما يشبه مفهوم «الحرب الوقائية» الذي صاغته الولايات المتحدّة ونفذته. الروس يحرصون على عدم استخدام هذا التعبير فكل ما فعلوه هو أنهم «هبّوا» لنجدة ضحايا الحرب التي شنّتها جورجيا على أوسيتيا. هذه هي روايتهم التي لم تتغير.
والمنطقة المعنيّة هي ذات أهمية اقتصادية استراتيجية. إنها «ممر» لخطوط أنابيب تنقل كميات كبيرة من البترول مع «تجنّب» المرور في الأراضي الروسية. تجدر الإشارة إلى أن أذربيجان أعلنت منذ بداية العمليات العسكرية «تعليق» صادراتها البترولية عبر المرافئ الجورجية.
ثم إن منطقة الاقتتال هي «صلة وصل» بين آسيا الوسطى وأوروبا وبين بحر قزوين والبحر الأسود. وكإشارة أيضا هناك خط حديدي بصدد الإنجاز بين أذربيجان وتركيا مع أفق أن «يكمل طريقه» حتى العمق الأوروبي «غربا» وحتى بقية بلدان آسيا الوسطى «شرقا».
الرهان ليس عسكريا في جوهره. وميزان القوى يميل لروسيا الكبيرة والقوية في مواجهة جورجيا الصغيرة والمتواضعة عددا وعدّة. هنا يبرز السؤال: لماذا إذن قررت السلطات الجورجية القيام بهجومها العسكري على أوسيتيا الجنوبية؟!. فهل كانت تتصوّر، أو أنهم صوّروا لها ، أن موسكو سوف تتركها تفعل ذلك دون أن تتدخّل؟. باختصار هل نصبت لها فخّا؟
ربّما أن الرئيس الجورجي ميخائيل ساكشيفيلي قد أخطأ في الحسابات حيال الموقف الروسي. ولكنه أخطأ بالتأكيد إذا كان قد اعتقد للحظة واحدة أنه يمكن للأوروبيين أو للأميركيين «الموت من أجل جورجيا».
ما هو واضح وأكيد هو أن روسيا لا تريد احتلال جورجيا عسكريا. ولكن بالتأكيد أيضا أنها لا تريد فقط «حماية» أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في نفس السياق. المسألة تتعداهما كثيرا كي تطال المفاهيم العميقة لدور روسيا المستقبلي في المنطقة التي تعتبرها بعدها الاستراتيجي وفيما هو أبعد من ذلك لدور روسيا في العالم.
كانت جورجيا قد اختارت بوضوح الانحياز للمعسكر الغربي. وهذا ما عبّرت عنه من خلال إرسال 2000 من جنودها إلى العراق في إطار الحرب الأخيرة. الرئيس الأميركي جورج بوش شكرها على ذلك أثناء زيارته لها في عام 2005 عندما قال أمام عشرات الآلاف من الجورجيين:» إننا نعيش لحظات تاريخية تشهد تقدّم الحريّة من البحر الأسود وحتى الخليج وإلى ما هو أبعد».
ثم استرسل قائلا أنه «ينبغي على الجميع احترام سيادة جورجيا». «الجميع» لم يكونوا أساسا سوى الروس، وهؤلاء لا ينقصهم الفهم». ثم إن جورجيا وأوكرانيا كانتا، وبدعم أميركي قوي، مرشحتين للشروع في مفاوضات للانضمام إلى الحلف الأطلسي.
ولكن تمّ تأجيل البحث في هذا الموضوع أثناء القمّة الأطلسية بالعاصمة الرومانية بوخارست قبل أربعة أشهر. كان التأجيل بطلب من فرنسا وألمانيا. هذا الملف كان أيضا مصدر قلق لروسيا وكان له وزنه في حسابات العملية العسكرية الروسية.
أمّا الاتحاد الأوروبي فهو معني مباشرة فيما يجري فحدوده قد وصلت إلى البحر الأسود منذ أن أصبحت رومانيا وبلغاريا في عداد دوله اعتبارا من عام 2007. ولا شك أن الرئيس الفرنسي قد وضع كل ثقله من أجل وقف الاقتتال. لكن المشكلة الحقيقية هي أن مواقف الدول الأوروبية حيال روسيا ليست «موحّدة».
هناك هوّة بين «ضحايا» الامبريالية الروسية السابقين وبين من يدركون أنه لا يمكنهم «الاستغناء» عن مصادر الطاقة الروسية. وهناك أيضا في الميزان «عواطف» رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني حيال صديقه فلاديمير بوتين والموقف الألماني المتعاطف دائما مع روسيا منذ السياسة «الواقعية» للمستشار الألماني الأسبق ويلي برانت.
أمّا الدعم الوحيد الذي قدّمه من طالب باحترام سيادة جورجيا فلم يتجاوز قيام طائرات تابعة لسلاح الجو الأميركي بإعادة ال2000 جندي جورجي من العراق إلى بلادهم. (مصائب قوم عند قوم فوائد، كما يقال). هذا بالإضافة إلى تصريحات «عنيفة» أدانت العنف الروسي «غير المقبول». وسلسلة أخرى من المزايدات الكلامية.
الحرب في أوسيتيا هي أكبر من أن تكون حول مواقع أو من أجل عدّة كيلومترات مربّعة أو عدة آلاف من البشر. ولعل ما كتبه روبرت كيغان ؛أحد مستشاري جون ماكين، في الواشنطن بوست بليغ وجاء فيه:» سوف يرى المؤرخون في 9 أغسطس 2008 منعطفا لا تقل دلالته عن سقوط جدار برلين.
إن الهجوم الروسي على أراضي جورجيا يدل على العودة الرسمية للتاريخ(... ) عبر التنافس بين القوى الكبرى من أجل مناطق النفوذ...». التاريخ «لم ينته» إذن كما أزفّ لنا كثر ولكنه يعود، هذه المرّة، من بوابة أوسيتيا الجنوبية الصغيرة.
كاتب سوري ـ باريس : mohaklouf@yahoo. fr