الحرب غير المتكافئة التي تدور رحاها على أرض القوقاز حاليا بين روسيا وجورجيا لها جذور عميقة وخلفيات متشابكة ووراءها مصالح استراتيجية إقليمية ودولية ليست خافية على أحد، ولا يمكن في الغالب الأعم فصلها عن المناوشات المحسوبة بين واشنطن وموسكو والتي اقتصرت زمنا على الكلام الشفاهي.
وهاهي تصبح عملا حربيا على الأرض تسيل فيه الدماء وتهدم المباني ويتشرد الناس، لكنه لم يمثل بعد مواجهة مباشرة بين خصمي الماضي اللدودين، اللذين لا ينسيان أبدا ما جرى بينهما من صراع مفتوح أيام الحرب الباردة.
لقد سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى أن تخلق لقدمها الثقيلة موطأ على أرض القوقاز رامية بذلك إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي عموما التي تحدد سياسة واشنطن تجاه هذه المنطقة التي تمثل محطة عبور مهمة ومفصل جغرافي بري بين القارة العجوز أوروبا والقارة الوسيعة كثيفة السكان آسيا.
والهدف الأول يرتبط بإعداد باكو عاصمة أذربيجان لتكون مركزا لتجمع النفط في منطقة بحر قزوين، الأمر الذي سيفيد الأميركيين كثيرا سواء من جني عائدات نقل الطاقة أو بالحصول عليها، والثاني يتعلق برغبة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في التمدد شرقا إلى القوقاز، ليزداد قوة وينفرد بالتجبر العسكري على العالم بأسره.
أما الثالث فيرتبط بسعي واشنطن حثيثا إلى قضم أطراف ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي المنهار، ليس انتقاما منه بحكم منافسته المحتدمة على مدار ستة عقود تقريبا مع أميركا، بل لخنق وريثته روسيا الاتحادية وإضعافها وقطع الطريق عليها إن أرادت أن تستعيد نفوذها القديم ومجدها الضائع وكرامتها وهيبتها التي جرحها الغرب الرأسمالي كثيرا من دون تحسب ولا ورع.
ومن أجل ضمان تحقيق هذه الأهداف يسعى «الناتو»، الذي تقوده واشنطن، إلى مد نفوذه إلى منطقة القوقاز، ولذا نجد أن قمة الحلف التي انعقدت أواخر عام 1999 شهدت على هامشها اجتماعا ضم رؤساء أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ووزراء خارجية كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا والنرويج.
كما اقترحت واشنطن وقتها إنشاء منتدى لدول القوقاز يتولى وضع سياسة أمنية مشتركة بين أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تهتم أولا بتسوية النزاعات العرقية في المنطقة، ومنذ هذا التاريخ وعلاقة الغرب عموما وأميركا خصوصا بالقوقاز تتنامى باستمرار، وكل هذا يتم على حساب المصالح الاستراتيجية لروسيا، التي وجدت مع مرور الأيام أن مجالها الحيوي يضيق ويتآكل بفعل تمدد الاتحاد الأوروبي تارة، والناتو تارة شرقا.
ومع أن واشنطن تربط منذ مدة ليست بالقصيرة بين الأمن والطاقة في القوقاز، فإن حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عزز توجهها إلى بناء علاقات استراتيجية قوية مع جورجيا، وقاد إلى إجراءات عملية في سبيل تحقيقه.
فواشنطن قامت بعد هذا الحادث المروع برفع القيود التي كانت مفروضة على المساعدات التي تقدمها إلى أذربيجان، معتبرة وقتها أن هذا الإجراء ضروري من أجل «دعم الجهود الأميركية ضد الإرهاب وتأمين قدرة عملياتية للقوات الأميركية أو لحلفائها».
وقد حصل الرئيس جورج بوش على موافقة الكونجرس على هذه الخطوة بسهولة، نظرا لأنه في نظر الإدارة الأميركية ضرورية لأمن الحدود الأذرية أيضا. وقد تكون واشنطن قد وجدت ظرفا تاريخيا مناسبا يتعلق بمكافحة الإرهاب لتتخذ هذا القرار في صالح أذربيجان، وتمرره من قبل الكونجرس الذي طالما عارض في الماضي محاولات وزارة الخارجية الأميركية اتخاذ هذه الخطوة، لكن «محاربة الإرهاب» لم تكن أبدا الدافع الوحيد والأخير للقرار الأميركي.
فهناك دافع اقتصادي يتعلق أساسا بمشروعات نقل النفط والغاز من منطقة بحر قزوين إلى العالم الخارجي، كما سبقت الإشارة، وهي مسألة ليست بعيدة عن الحرب التي تدور رحاها بين جورجيا وروسيا حاليا.
ومن المعروف أن أذربيجان تطمح، وحسب ما تريد الولايات المتحدة الأميركية، أن تكون مركزا لتجمع أنابيب النفط والغاز الطبيعي القادمة من جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، توطئة لتصدير هاتين السلعتين المهمتين إلى العالم الخارجي عبر ميناءي جيهان التركي وسوبسا الجورجي.
ورغم أن تنفيذ ذلك المشروع الضخم يحتاج إلى الاستقرار الأمني، بعد أن أصبحت أنابيب النفط والغاز هدفا للجماعات «المتمردة» في مناطق عديدة من العالم، فإن واشنطن فعلت العكس وأوعزت إلى جورجيا بأن تبدأ هجوما سريعا لاستعادة أوسيتيا الجنوبية وإخضاعها بقوة السلاح لسلطة تبليسي، فردت روسيا بقتال واسع استهدفت فيه بعض أنابيب النفط، وكأنها تريد أن تكيد لواشنطن بشكل مباشر.
ومما يبرهن على الارتباط بين قضيتي الأمن والطاقة في القوقاز أن اتخاذ جورجيا قرار بفتح مجالها الجوي أمام مقاتلات الولايات المتحدة وحلفائها أثناء ضرب أفغانستان قد تزامن مع توقيع اتفاق بين جورجيا وأذربيجان حول نقل وبيع الغاز الطبيعي الأذري عبر أنبوب بين باكو وتبليسي ينتهي في أرزوروم بتركيا.
كاتب وباحث مصري : ammaralhas@hotmail.com
