كان الزعيم السوفياتي (خروتشوف) في حوار مع العديد من الشخصيات، وكانت تفلت في كلماته "إن شاء الله" و"على الله" سأله أحدهم أنت لا تعترف بالإله، ولا الأديان؟.. رد : هذه جزء من مفاهيم ورثتها عن عائلتي، ومجتمعي، لكنني لا أؤمن بها!!

للحقيقة ليس هناك من فرد أو شعب أو أمة بلا دين أو ثقافة تاريخية متصلة به، تنتقل من البدايات الأولى إلى المعاصرة، وهذا ما أثبتته الوقائع والظروف حين ظل المُتكَّأ المقدس هو المعادل النفسي واليقيني عند الإنسان، ولعلك وأنت ترى المعابد من بدايات الكهوف إلى المباني المزخرفة، تجد الصلة ثابتة والمتغير فقط هوالإنسان..

سلطان الثقافة بكل مضامينها لابد أن يشكل معيار كل الشعوب، وأوروبا عندما تخلت عن كنيستها بالمطلق وبسياسة مفتوحة لم تستطع أن تعلن الطلاق مع مقدساتها لأنها تراها في متاحفها ومبانيها، وسلوكها العام، وتسكن في مشاعرها، وكذلك سياساتها الامبراطورية، أو الحاضرة في عصرنا الحالي..

وتبرز ظاهرة التمايز مثلاً في الاتفاقات الاقتصادية والسياسية، أي أن المعايير التي تقوم عليها تفترض التجانس والموروث الواحد، وكمثال على هذا التفضيل فقد سعت بيوت مال يابانية إلى شراء مراكز إنتاج أفلام في "هوليوود" وأسهم بنوك، وعمارات ومواقع حساسة في أمريكا فقامت القيامة ووصل الخوف الى التحذير من "السادة الجدد" الذين يريدون الثأر من الهزيمة العسكرية بالغزو التجاري، وتكررت التجربة مع الصين فقد بادرت شركاتها إلى امتلاك شركة نفطية كبرى، لكن جرى منع الصفقة عملاً بتهديد خطير على استراتيجية الدولة العظمى الاقتصادية، وحتى الإمارات عندما حاولت عقد صفقة شراء شركة للموانئ الأمريكية من شركة بريطانية تملكها وضعت بنفس السياق من المخاطر والتعطيل، وهذا ما أثبت أن مبدأ التجارة الحرة مقيد بشروط التجانس العرقي والثقافي، أي أن هذه الأبواب مفتوحة لأوروبا وأستراليا، أو أي امتداد لحضارتها بما فيها إسرائيل، لكن أن يدخل طرف جديد خارج السرب فالموانع تكبر وتتقيّد..

فتركيا ليس لها مكان في الاتحاد الأوروبي، لأنها كيان إسلامي وقابلية أن تتوحد وتندمج مع دول آسيا الوسطى والشرق الأوسط أهم من حلم الاندماج بالقارة المسيحية، وهذه الممنوعات تندرج تحتها كل دول آسيا التي إما تعتبر حاملة ثقافة هندوسية، أو كونفوشيوسية أو بوذية أو إسلامية، وهي تتعارض في إرثها وتواصلها مع الغرب، أو أنها جغرافياً خارج المكوّن الحضاري للعقد الجامع لأوروبا وأميركا..

وحتى روسيا "الأوراسية" أي (الآسيوية الأوروبية) تبقى حضارة منفصلة عن جوارها الأوروبي بكنيستها الشرقية (الأورثوذكسية)، ويبقى التقارب وشبه التلاصق مع اللاتين في الجنوب الأمريكي الذين يعتبرون امتداداً دينياً وثقافياً، حتى بوجود حضارات كلاسيكية بعيدة تماماً عن الغرب بجذورها وأصالتها..

مع العالم الإسلامي يبقى التوتر والاحتقان أكثر تأزماً فهذه الجبهة الكبرى، حتى لو لم تكن متحدة في جغرافيتها وثقافتها فمضمونها الروحي يجسد وحدتها وعداءها للغرب، وبالتالي فالصراع الحتمي سيكون جزءاً من حروب طويلة على الهوية والثقافة والسلوك العام، وحتى السياسات والمصالح الاقتصادية تبقى آنية وليست أزلية مع حاملي هذه الديانة ومعتنقيها..

الفواصل نفسية وتاريخية وحضارية، ويبقى العامل الديني في حالات التلاقي والانفصال جزءاً من أهداف عليا لأي سياسات توضع على خارطة العلاقات الدولية، وحتى لو لم يعلن فهو المقياس للقبول والرفض لأي جنس أو دين أو حضارة..