عاد النقاش مجدداً حول حق التدخل أو واجب التدخل الإنساني الذي كان «شعبياً» ومثيراً للجدل في التسعينات، في مرحلة سقوط جدار برلين ومعه سقوط نظام الحرب الباردة ومرحلة العنف التي سادت ونشأت عن عملية تفكك امبراطوريات متعددة القوميات ودول وثورة الهوية.
ثلاثة أسباب أدت إلى تراجع الدعوة لتطبيق هذا التدخل، أهمها دون شك فقدان المصداقية عند الذين يدعون، من دول، لاستعماله بسبب سياساتهم وما أدت إليه واللجوء إلى سياسة الكيل بمكيالين، ويعود بقوة في هذا المجال المثال العراقي والغزو الأميركي للعراق.
ثم هناك الاستقرار النسبي في الحرائق التي اشتعلت بعد نهاية الحرب الباردة، وأخيراً التقاط الأنفاس عند القوى الدولية والإقليمية المعارضة للتدخل لجملة من الأسباب، ونجاحها في الوقوف في وجه محاولات إعمال هذا المبدأ.
عاد النقاش بقوة مع رفض بورما الحصول على مساعدات إنسانية عندما ضربها الإعصار، ثم ازداد النقاش حدة مع انفجار أزمة زيمبابوي والدعوة إلى مقاطعة ومحاكمة روبرت موغابي، من دون أن ننسى بالطبع أزمة دارفور واللجوء إلى دبلوماسية الضغط على الحكومة.
مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة كلينتون، أطلقت هذا النقاش في مقالة بعنوان «نهاية حقبة التدخل.. وعودة الحديث أو التخفي وراء قدسية السيادة الوطنية». وكتب آخرون حول ضرورة بلورة قواعد جديدة لتحديد شروط «عبور الحدود» الوطنية.
تبرز ثلاث مدارس في الحوار الدائر والعائد حول حق التدخل أو واجب التدخل الإنساني. أولها مدرسة الواقعية السياسية التقليدية، خاصة في الغرب، التي تبرِّر عدم التدخل على قاعدة احترام سيادة الدول وعدم القدرة على النجاح في مغامرة من هذا النوع، ومخاطر إطاحة استقرار قائم ولو غير شرعي، أو الاستمرار في زيادة حريق مشتعل.
وأخيراً من الحجج القائمة في هذه المدرسة القول إنه ليس من واجبنا ولا مسؤولياتنا القيام بذلك، وأنه إذا كان هناك من تغيير فيقوم به أهل البلد أنفسهم وهي مسؤوليتهم أساساً. وتذهب بعض الأطراف في صراحتها إلى القول إنه ليس من مصلحتنا الوطنية اللعب بهذه الورقة ومحاولة تغيير أوضاع تبقى أفضل مما قد ينشأ لاحقاً ويمس بمصالحنا.
المدرسة الثانية تنتشر في العالم النامي في الجنوب، حيث يرتكز هدف التدخل، وقوامها رفض «النظام الدولي» للتدخل عبر تضامن المصلحة أساساً والخوف من ترسيخ قاعدة التدخل في حالات مشابهة، وهي غير قليلة، ولو اختلفت درجة حدتها في عالم الجنوب، وكذلك الخوف من تحقيق سابقة للبناء عليها لاحقاً. كل ذلك يدفع لرفض ومعارضة هذا النوع من التدخل.
تدخل تسهل مواجهته تحت عناوين عدة، منها التذكير بسياسة الكيل بمكيالين عند الغرب، وقدسية السيادة وعدم جواز انتهاكها مرتكزين إلى قواعد القانون الدولي وتراث «نظام وستفاليا»، واستنهاض واستثارة المشاعر الوطنية.
وهنا تبدو لحظات قليلة حيث تلتقي مصلحة أنظمة مع مشاعر شعوبها، ولو لأسباب متناقضة، ضد «الآخر» الأجنبي الاستعماري السابق والمستغل اللاحق، وصاحب الأمثلة الساطعة والعديدة على توظيف المبادئ العامة خدمة للمصالح الوطنية الخاصة.
المدرسة الثالثة، وتقع على مستوى المجتمع سواء في الشمال والغرب أو في الجنوب والشرق، وتحديداً على مستوى نخب فكرية وسياسية، وهي مدرسة ضعيفة التأثير ومحدودة الانتشار، وتنطلق من مسلمة قوامها أن التدخل أكثر من ضروري أحياناً لأسباب إنسانية، وأنه لم يعد من الممكن التمييز الكلي بين الداخلي والخارجي، بين الوطني والعالمي، بسبب ثورة الاتصالات وتشابك المصالح والمشاعر.
وتدرك هذه المدرسة الإرث الثقيل لسياسة الكيل بمكيالين، وكذلك الإرث الأثقل لسياسة يمكن إيجازها بكلمة حق يُراد بها باطل أو وسيلة محقة لأهداف خاصة، كما تدرك الصدام الحاد بين الشرعيتين، شرعية الدولة وشرعية منظومة القيم الإنسانية، وأنه إذا لم يعد من الممكن التعامل مع الدولة حسب نموذج «الصندوق المقفل» لأنه لم يعد مقفلاً على صعيد الواقع.
فإنه أيضاً ليس من الممكن فتح الدولة كلياً للخارج. لذلك عاد النقاش الفكري والسياسي يدور حول ضرورة العمل على إحداث تسوية «لصدام الشرعيتين»، وهي تسوية ليست بالسهلة وتقوم على تحديد شروط التدخل وكيفية تنفيذه، مثل تحديد ما يعتبر «صاعقاً للتفجير» للتدخل أو لحظة حتمية اللجوء إليه، ومثل اعتماد مقاربة تدريجية لمحاولة إحداث تسوية للأزمة لتلافي التدخل المباشر.
وفي حال الفشل في ذلك تحديد الطرف الذي يقوم بالتدخل ومن المفترض أن تكون الأمم المتحدة، ليس من خلال إعطائها غطاءً شرعياً لطرف دولي للقيام بذلك، بل أن يتم تحت مظلتها وأن تقود هي التدخل.
شروط ثلاثة تبدو صعبة التحقيق، ولكن تبقى ضرورية لأسباب إنسانية وأخلاقية واستراتيجية في عالم بقدر ما يزداد التداخل والترابط بين أطرافه، بقدر ما يزداد التأكيد على التمسك بالهوية وحمايتها عند هذه الأطراف، في لعبة صراع الهويات وصراع المصالح، والتداخل بين الصراعين.
كاتب لبناني