بقامته المديدة التي لم تنحن يوما لترهيب أو ترغيب عاش السياسي المصري الكبير إبراهيم شكري حياته كما يحيى الرجال، وبقيمته الفريدة التي تجلت في نبل مبادئه وشرف معاركه، وعظمة مواقفه مضى راحلا عن دنيانا كما يمضى الأبطال.. كالأشجار العميقة الجذور لا تموت إلا واقفة !

لقد فقدت مصر بعض أصحاب القامات العالية في عام واحد فبالأمس رحل المناضل الكبير عزيز صدقي «أبو الصناعة المصرية» والمهندس الذي بنى ألف مصنع والذي بقي مناضلا سياسيا شريفا دفاعا عن قضايا الحرية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

وبعده رحل العالم الجليل الدكتور «مصطفى كمال حلمي «أبو المعلمين» النموذج الرائع لعلم العلماء وتواضع الكبار سواء في موقع الأستاذ الأكاديمي أو الرئيس البرلماني أو الوزير السياسي.. وبالأمس القريب ودعت مصر، المجاهد الكبير المهندس إبراهيم شكري «أبو الإصلاح الزراعي» العالي القامة الذي خاض غمار العمل الوطني منذ سبعين عاما كفاحا ضد الاحتلال الإنجليزي.

بدأ شكري حياته السياسية في منتصف الثلاثينات حين كان طالبا بالجامعة في حزب «مصر الفتاة» الذي أسسه المجاهد الوطني «أحمد حسين» والذي كانت منطلقاته الفكرية هي الوطنية المصرية والأفكار الاشتراكية بمرجعية إسلامية.

وحين خرج «الشهيد الحي» في طليعة طلاب الجامعة في مظاهرة «كوبري عباس» الشهيرة ضد الإنجليز تطالب بحرية الوطن وجلاء المستعمرين سقط مع شقيق كفاحه «الجارحي» برصاص جنود الاحتلال وجنود البوليس المنفذ لأوامر المحتلين، لكن إرادة الله التي اختارت رفيقه للشهادة كتبت له الحياة ليهب كل حياته لله ثم للوطن والشعب.

رحل المجاهد الوطني ضد انعزال القصر عن هموم الوطن والشعب، فكتب مخاطبا الملك فاروق تحت عنوان «رعاياك يا مولانا» في جريدة الاشتراكية داعيا لإصلاح حياة أبناء الشعب من الفلاحين والعمال فكان نصيبه «السجن»، ولم ينقذه بعد أسابيع إلا قيام ثورة 23 يوليو، فأخرجته من السجن إلى القصر، ليستقبله فيه قادة الثورة اللواء محمد نجيب والبكباشي جمال عبد الناصر.

مضى النائب البرلماني «أبو الإصلاح الزراعي» في مصر ابن الباشا الثري الذي يملك مئات الأفدنة، الذي لم يسع للثروة بعضويته للبرلمان، وإنما لتوزيع ما يملك من ثروة على الفقراء، فقدم مشروعا للبرلمان قبل الثورة لتحديد الملكية الزراعية بخمسين فدانا وتوزيع الأرض على الفلاحين المعدمين فلم يوافق نواب الديمقراطية في البرلمان حتى أعلنته الثورة كأول مشروعاتها الاجتماعية بهدف تصفية الإقطاع وبناء العدالة الاجتماعية.

عندما تم تجميد حزب «العمل» تعالت وطنيته على حزبيته، وبعد إغلاق صحيفة «الشعب» ارتفع صوته العربي على الوطني، وتعالى صوته الإسلامي على العربي دفاعا عن قضايا وطنه وأمته وتعبيرا عن ضمير الشعب في الوطن المصري وفي الأمة العربية والإسلامية.. تذكره بيروت مع أبو عمار يوم الحصار، وتذكره دمشق جسرا سياسيا فوق الخلافات، وتذكره بغداد تضامنا مصريا مع العراق ليلة العدوان.

.. في حياته.. لم نرحم شيخوخته الجليلة، ولم نحترم نضاله الوطني، ولم نقدر تاريخه السياسي، ولم نحفل بمرضه الطويل على مدى عامين وتركناه في ضوء خافت يصارع وحيدا أمراض شيخوخته.. وبعد وفاته في القاهرة بكيناه جميعا مصريين وعرباً.. شعبا وقادة وحكومة ومعارضة و.. ذرفنا عليه الدموع !! .

mamdoh77t@hotmail.com