عادت التفجيرات الدامية إلى لبنان بالموازاة مع الزيارة التاريخية التي يقوم بها الرئيس اللبناني ميشال سليمان إلى سوريا، بعد عدة سنوات من القطيعة والحساسية السياسية على خلفية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. وغداة نيل حكومة الوحدة الوطنية في لبنان ثقة المجلس النيابي.
الأكيد أن هذه الهجمات تهدف إلى إعادة لبنان إلى المربع الأول، والتشويش على كل الخطوات الرامية إلى ضمان عودة الاستقرار إلى البلاد وإبعاد هاجس المواجهات الطائفية، لكن هذه المؤامرات لن تؤثر على هذا البلد. فقد تمكن اللبنانيون من تخطي المرحلة السوداء التي عصفت بهم.
إن زيارة سليمان لدمشق تشكل افتتاحاً لمرحلة جديدة في العلاقات مختلفة كلياً عن سابقتها، إذ ستشهد عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي وعودة عنصر الثقة المتوافر من خلال وجود رئيس لبناني جديد تربطه بدمشق علاقات تحالف وثيقة، وصداقة مع الرئيس السوري رسختها التجارب والمواقف على مدى عشر سنوات، مما سيفتح الباب أمام تحقيق المصالح المشتركة بما ينعكس إيجاباً على كل النواحي التي تهم البلدين.
ويبدو أن دمشق وبيروت اقتنعتا أخيراً بضرورة إقامة علاقات أكثر واقعية بعيداً عن أي تدخلات خارجية، وبكيفية تعتمد الندية في التعامل بعد أكثر من عقدين من التواجد العسكري السوري في منطقة البقاع اللبناني.
وستكون الزيارة اختباراً جدياً لسوريا ونواياها واستعداداتها في الموضوع اللبناني، والمجال الذي يشكل اختباراً أولياً للرئيس سليمان في طريقة تعاطيه مع دمشق ومقاربته لملف العلاقات وإرساء مرحلة جديدة فيها لا تستعيد أنماط العلاقات القديمة، وتستفيد من تجارب وأخطاء المرحلة السابقة.
في غضون ذلك، تظهر مجدداً ملامح ربط بين المسارين اللبناني والسوري في مفاوضات السلام، التي كانت بدأتها سوريا في شكل غير مباشر مع إسرائيل، والتي ستتناول لاحقاً طرح المسائل العالقة والمشتركة وفي مقدمتها مسألة مزارع شبعا في نطاق مثلث تفاوضي إسرائيلي سوري لبناني.
والمطلوب الآن إحداث نقلة نوعية تاريخية في النظرة إلى العلاقات في جوهرها وأسسها للتخلص من إرث ثقيل، ووضع حد لمعاناة وتجارب مكلفة وتوترات، ولإرساء علاقة ثقة من دولة إلى دولة على قاعدة اعتراف متبادل بالأخطاء والنواقص والإخفاقات، واقتناع متبادل بأن التنسيق والتعاون بين الجانبين في المجالات الاقتصادية والخارجية والأمنية مصلحة استراتيجية لكليهما.
والعلاقة بين لبنان وسوريا محكومة بخيار التوافق، وأن العثرات الماضية يمكن تجاوزها بعقلانية تتخطى حدود النزاعات الضيقة، والتأسيس لمرحلة جديدة عنوانها التكامل وتغليب المشترك من قضايا إيجابية، وتخطي تبعات الأزمات السابقة.
