يشيع الفلسطينيون اليوم الاربعاء احد ابرز رموزهم، ان لم يكن ابرزها في ميدان الثقافة والابداع على الاقل، فمحمود درويش لم يكن انسانا عاديا، وكان جزءا اصيلا في عملية تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية سياسيا وادبيا.
ولذلك كان شقيقه احمد درويش صادقا ومؤثرا في تعبيره عندما قال ان اسرة الراحل يشرفها ان يدفن الرجل في رام الله، ليكون الرمز الثاني الذي يحتضنه ترابها جنبا الى جنب مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات.
الراحل الكبير كان يفضل ان يشيع الى مثواه الاخير في مسقط رأسه قرية البروة في الجليل، وهي احدى القرى التي ازالتها الحركة الصهيونية من الخريطة كليا، ولكن الحكومة الاسرائيلية رفضت هذا الطلب الذي يجسد حق العودة الفلسطيني في انقى صوره، وبرمزية واضحة المعالم والمعاني، مثلما رفضت طلبا آخر ان يدفن في بلدة 'الجديّدة' حيث تقيم اسرته، وحيث يوجد البيت الذي احتضنه في ايام طفولته.
الاسرائيليون يخافون الفلسطينيين احياء او امواتا، لانهم مقاتلون في الحالتين، من اجل تأكيد عروبة الارض، والتذكير الدائم باغتصابها عنوة من اهلها، ولا ييأسون مطلقا في مقاومتهم، ويبتدعون دائما اشكالا جديدة منها، تضاف الى تاريخهم الحافل في هذا الميدان.
محمود درويش لم يكن شاعرا فلسطينيا فقط، وكان يفضل دائما ان يكون توصيفه بالشاعر العربي، فقد احب كل العرب، احب دمشق وياسمينها، القاهرة وسحرها وتاريخها وطيبة اهلها، بيروت بجمالها وتعدديتها وانتصارها للمقاومة، بغداد بشموخها واصالة شعبها، عمان بدفئها ووشائج القربى الخاصة مع ابناء الضفة الاخرى من نهر الاردن، الجزائر بقوائم شهدائها الطويلة وتأييدها المتميز للمقاومة، تونس بمثقفيها وتاريخها القرطاجي، الرباط بروافدها الثقافية المبدعة، وصنعاء التراث المستعصي على العولمة الغربية المصطنعة، وعواصم الخليج التي لم تغير الحداثة اصالة اهلها، واخيرا الخرطوم التي كانت آخر عاصمة يحط فيها الرحال وتمتع بعواطف اهلها العربية الجياشة.
قلوب العرب جميعا ستشارك الفلسطينيين اليوم وداع الراحل الكبير الذي اسعدهم بقصائده وامسياته الشعرية الحافلة بالابداع الممزوج بالوطنية وارقى ادوات التعبير الادبي، في زمن جف فيه الابداع او كاد بفعل الكوارث المتلاحقة التي ضربت هذه الامة من الداخل والخارج.
محمود درويش كان مؤسسة ابداعية، ومصدر الهام وفخر لابناء شعبه وامته، حمل القضية الفلسطينية في كل مكان، وقدمها بصورة حضارية في كل المحافل العالمية التي فتحت امامه، دون مبالغة، ودون جعجعة، ولهذا تفوق على الجميع من اقرانه.
سيحمل الفلسطينيون اليوم على الاعناق ابنا بارا اعطاهم الكثير دون تردد، حتى عندما كان قلبه يئن من التعب، وعدم القدرة على مجاراة صاحبه، وحماسه، ووطنيته، ظل العطاء متدفقا حتى اليوم قبل الاخير من ركوبه الطائرة الى المحطة الاخيرة في حياته.
سيكتب الادباء والنقاد الكثير عن عبقرية محمود درويش الشعرية، والتجديد الذي اضافه في هذا الخصوص، وصموده في وجه متغيرات العولمة. واصراره على نحت طريق خاص به وسط اكوام من التيارات المغامرة، ولكن ما يمكن قوله في يوم وداعه ان محمود درويش كان ضوءا قويا يبعث الامل في نفق فلسطيني، بل نفق عربي حافل بالظلام.
هنيئا للعلم الفلسطيني الذي يلتف اليوم حول نعشه، وهنيئا للارض التي تحتضن جثمانه، وهنيئا له بهما ايضا.
