مما لا شك فيه أن ظاهرة ارتفاع الأسعار وبخاصة السلع الأساسية من الأمور التي تؤرق أصحاب الدخل المحدود وأيضا الحكومة المصرية‏,‏ وتحظي هذه الظاهرة باهتمام ودراسة بل وجدل بالغ بين أصحاب الرؤي المختلفة‏,‏ إلا أنه مع الإقرار بأن عوامل خارجية كثيرة ساهمت في ارتفاع الأسعار‏,‏ وبالرغم من أن دول العالم المختلفة تعاني من حالة الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والطاقة فضلا عن أسعار مواد البناء‏.

إلا أن جميع الأطراف مطالبة بالعمل علي محاربة الغلاء‏,‏ والعودة بالتضخم الي مستويات متدنية‏,‏ نظرا لأن استفحال التضخم سيوجه ضربة قاضية للاستثمار‏,‏ وهو بدوره سيؤثر علي النمو في مصر‏,‏ وفي واقع الأمر فأن ثمة أتفاقا بل إجماعا بين جميع المصريين علي ضرورة وحتمية استمرار معدلات النمو المرتفعة لأنها السبيل الوحيد لمواجهة جميع قضايا المجتمع المتراكمة‏,‏ وبوضوح معدلات النمو التي تتجاوز‏7%‏ سنويا هي التي حققت معجزة دول جنوب شرقي آسيا‏,‏ وبالتأكيد طريق مصر لكي تصبح نمرا جديدا في وادي النيل‏.‏

وتدرك الحكومة أهمية الحفاظ علي معدلات النمو وأحتواء التضخم‏,‏ وهو ما أعلنه د‏.‏ عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصادية من أن الحكومة تعمل علي السيطرة علي التضخم الذي زاد في الفترة الأخيرة بحيث لا يتعدي‏7%,‏ ورئيس مجلس الوزراء د‏.‏ أحمد نظيف في اجتماعه بمجلس المحافظين بالاسماعيلية طالب بتكثيف الرقابة علي الأسواق وتفعيل قانون حماية المستهلك‏.

وبالرغم من أهمية هذه الخطوات الحكومية خاصة مع اقتراب شهر رمضان وموسم العودة الي المدارس‏,‏ إلا أن جهود المواطنين مطلوبة وبشدة لردع جشع التجار‏,‏ والامتناع عن الشراء للسلع والخدمات بأسعار مبالغ فيها‏,‏ لأن قوة المستهلك‏,‏ أقوي بكثير من تشريعات ورقابة حكومية لا يمكنها النجاح بدون تكاتف المواطنين معها‏.‏

ولعل من الأمور الجيدة أن الخطة الاقتصادية الجديدة للحكومة تسعي الي زيادة الاستثمار من‏21%‏ عام‏2007/2006‏ الي نحو‏23%‏ من الناتج المحلي الاجمالي عام‏2009/2008,‏ كما تسعي الي توفير نحو‏850‏ ألف فرصة عمل جديدة بما يسمح بتراجع معدل البطالة من‏9.1%‏ عام‏2007/2006‏ الي‏8.7%‏ خلال عام‏2009/2008.‏

..‏ وهذا الأمر مرتبط بهدف رئيسي ألا وهو تحقيق معدل نمو اقتصادي حقيقي يبلغ‏7.1%,‏ ولقد استهدفت الخطة الخمسية السادسة‏(2007‏ ـ‏2012)‏ تحقيق معدلات نمو تتصاعد تدريجيا لتصل الي‏8.5%‏ بنهاية مداها الزمني وبمتوسط سنوي قدره‏8%,‏ ولقد تمكن الاقتصاد المصري خلال النصف الأول من عام‏2008/2007‏ من تحقيق معدل نمو حقيقي مرتفع بلغ‏7.5%‏ غير أنه نتيجة لبعض التطورات السياسية والاقتصادية علي مستوي العالم ومنطقة الشرق الأوسط‏,‏ ومصر ليست بمعزل عنه فأنه من المتوقع أن يكون معدل الأداء الاقتصادي لعام‏2008/2007‏ في حدود‏7.2%.‏

..‏ ويبقي أن مصر تستطيع مثلما هي مطالبة بتحقيق معدل نمو مرتفع‏,‏ وهذا يتطلب الإيمان من الجميع سواء الحكومة أو المواطنون بأن لا سبيل إلا طريق النمو‏,‏ وفي ذات الوقت فأن الحكومة مطالبة بأن توفر الاجواء الايجابية لتشجيع الاستثمار‏(‏ مصري ـ عربي ـ أجنبي‏)‏ مع أهمية اقتناع غالبية المواطنين بأن الاستثمار حيوي لمستقبل مصر والاجيال الحالية والقادمة‏,‏ ولكنه يظل مع ذلك كله أهمية البعد الاجتماعي وحماية محدودي الدخل ومحاربة الغلاء من أولي أولويات الحكومة‏,‏ لأنه في نهاية المطاف الجهود كلها يجب ان تصب في خدمة ورفاهية المواطن البسيط‏.‏