قبل ما يزيد على السنة كتبنا في هذه الصفحة عن التجربة الديمقراطية في موريتانيا وعن الانتخابات الديمقراطية والشفافة التي أوصلت الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله إلى سدة الحكم. تجربة رائدة في الوطن العربي كانت موضوع افتخار واعتزاز من قبل الجميع، خاصة وأن من قاموا بالانقلاب العسكري امتنعوا عن مصادرة السلطة والترشح لمنصب الرئيس.
وأكد حينذاك ولد فال أن الغرض من الانقلاب هو تصحيح المسار الديمقراطي، ليس إلا وأن العسكر لا نية له في حكم البلاد. وهذا يعني أن النية كانت واضحة وسليمة وكانت بغرض الإصلاح وليس تحقيق المصالح الشخصية لشخص معين أو لحفنة من العسكريين. كانت التجربة الموريتانية في الماضي القريب مرجعا في التحول الديمقراطي في الوطن العربي ولكن هذا التحول لم يعمر طويلا وأُجهض بسبب تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي.
برهنت التطورات الأخيرة في بلاد شنقيط أن موريتانيا ما زالت تفتقد إلى مقومات وشروط ومستلزمات الديمقراطية. الإطاحة بالرؤساء جزء من المشهد السياسي في موريتانيا وثقافة شائعة في المؤسسة العسكرية التي تغلغلت داخلها تيارات سياسية مختلفة كالبعثية والناصرية والشيوعية والقومية والإسلامية...الخ.
فموريتانيا التي كانت مرشحة لتكون القدوة في الديمقراطية في الوطن العربي وإفريقيا تملك الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، ما يعني قوة المؤسسة العسكرية وضعف المجتمع المدني والأحزاب السياسية. فإذا كانت المؤسسة العسكرية ترى أن الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله قد انحرف على المسار الديمقراطي وأنه شخصية ضعيفة وأن زوجته استغلت منصب زوجها للقيام بعدة تصرفات وصفقات مشبوهة، فهل يحق للجيش أن يقوم بالانقلاب ويخلع الرئيس؟
أم أن هناك إجراءات دستورية وسياسية تقوم بها جهات معينة لتنحية الرئيس. تصرف العسكر في الانقلاب الأخير لا مبرر له ويعتبر مصادرة للأصوات التي أعطاها الشعب للرئيس وللثقة التي وضعها فيه. فبأي حق يقوم الجنرالان بالإطاحة بالرئيس المنتخب؟ ومن خولهما ذلك؟
شهدت موريتانيا منذ استقلالها العديد من الانقلابات العسكرية، كان آخرها الأسبوع الماضي. هذا الانقلاب الذي أطاح بالرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله الذي أُنتخب في مارس 2007. حينذاك اعتبرت الأوساط السياسية الداخلية والإقليمية والدولية تسليم السلطة لرئيس مدني منتخب من قبل الشعب تطورا ايجابيا وحالة فريدة من نوعها في الوطن العربي وفي القارة السمراء حيث يستقر ويتمسك الرؤساء بالحكم حتى تغيّبهم المنية.
الديمقراطية الهشة في موريتانيا، التي انتهت بانقلاب عسكري، لم تكن مبنية على أسس متينة ولم تنعم بالشروط والمستلزمات الضرورية للديمقراطية. إشكالية التجربة الديمقراطية الموريتانية تتمثل في كون العسكر هو الذي هيأ المناخ لمجيء الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله إلى هرم السلطة.
فالأحزاب السياسية والمجتمع المدني، والرأي العام وجماعات الضغط لم تكن في المستوى المطلوب للقيام بدورها في عملية التحول الديمقراطي وفي اللعبة السياسية وهذا يعني أن الفاعل السياسي المحوري في موريتانيا هو العسكر.
فالعسكر في آخر المطاف هو الذي يقرر وهو الذي يقوم بالانقلاب متى يشاء وحين يشاء وهو الذي يجهز الأجواء للاستحقاقات الرئاسية، وهنا تصبح عملية الانتخابات والتصويت والتسويق السياسي والحملات السياسية التي تقوم بها الأحزاب مجرد ديكور وعملية تجميلية لا أكثر، لأن ثقافة الديمقراطية وروح الديمقراطية لا وجود لهما أصلا.
فالديمقراطية التي عاشتها موريتانيا في مارس 2007 لم تأت عن طريق الطبقة السياسية الموريتانية ولا المجتمع المدني ولا الرأي العام، وإنما جاءت منحة من العسكر، فلم تكن نتاج نضال وتضحيات الأحزاب السياسية والمجتمع المدني وهذا ما يعني أن رئاسة سيدي ولد الشيخ عبد الله كانت مبتورة لا تستند إلى قاعدة شعبية قوية ولا إلى عمل حزبي سياسي قوي، ولا إلى مجتمع مدني فعال في الشأن السياسي في البلاد.
فرئاسة سيدي ولد الشيخ عبد الله كانت مبتورة ومشروطة بإرادة العسكر الذي هيأ له جو الانتخابات وفرصة اعتلاء سدة الحكم، وهذا يعني أن شرعية الرئيس مرهونة بإرادة العسكر ونظرته لمجريات الأمور في البلاد ورؤيته للأحداث والتطورات التي تحدث في المجتمع. وهذه الإرادة العسكرية قد لا تمثل إرادة الشعب وقد لا تمثل الرأي العام، بل قد تتحدد في إرادة حفنة صغيرة من العسكر.
وهذا هو الفرق الجوهري بين ديمقراطية الشعب وديمقراطية العسكر. فالعسكر ينظر إلى الديمقراطية كما ينظر ولي الأمر لمصالح أبنائه القصر، فهو الذي يعرف مصالحهم ومستقبلهم أحسن منهم، وما يليق بهم، وهو الأدرى والأذكى والأعلم. فالديمقراطية حسب مفهوم العسكر لها خطوط حمراء وحدود لا يجب أن يتجاوزها الرئيس ومن لف في فلكه.
هذه الديمقراطية لا يجب أن تطال العسكر وامتيازاته ومصالحه ولا يجب أن تخرج عن طاعة هؤلاء الذين عبدُوا الطريق ووفروا المناخ والجو لوصول الرئيس إلى كرسي الرئاسة. فالديمقراطية حسب العسكر مسموح بها كلما ابتعدت عن ساحتهم وتركتهم ينعمون بالامتيازات والاحترام اللازم في ثكناتهم. وحسب المعتقد العسكري فإنه لا يعقل أن يجرؤ السياسيون على عض اليد التي أنعمت عليهم بالحرية والتعددية والديمقراطية والتناوب على السلطة، بالمفهوم العسكري طبعاً.
ورثت موريتانيا، وعلى غرار المستعمرات الفرنسية سابقا في شمال إفريقيا، نخبة حاكمة عسكرية فشلت في إقامة نظم ديمقراطية، وفي معظم الأحيان كانت تلجأ إلى استخدام الدبابات لتغيير الأوضاع والتخلص من الحاكم سواء جاء إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع أو عن طريق الدبابات.
انقلاب الأسبوع الماضي في موريتانيا يعكس ثقافة سياسة العسكر التي تحكم البلاد منذ الاستقلال سواء كان الحكم عسكري أو مدني. فمهما كانت طبيعة الرئيس، فالقرار الأخير يعود للمؤسسة العسكرية التي تستبعد وتقصي كل من يعترض سبيلها أو يشكل خطرا على مصالحها.
الرئيس الموريتاني المخلوع جاء لسدة الحكم عن طريق الانتخابات، ومن المفروض أن الشعب الذي أنتخب هذا الرئيس هو الجهة الوحيدة المخولة لسحب الثقة منه. لكن واقع الأمر يقول إن الذي جاء بالرئيس لسدة الحكم هو العسكر وليس الشعب، الذي يعتبر تصويته وذهابه إلى مراكز الاقتراع مجرد عملية تجميلية، لإعطاء صورة إيجابية عن نية المؤسسة العسكرية في الديمقراطية وعدم التدخل في الحياة السياسية.
الانقلاب الأخير جاء ليؤكد أن الديمقراطية ليست مجرد ترشح عدد من الأشخاص للفوز بكرسي الرئاسة ولا مجرد حملات سياسية وتسويق سياسي لعدد من الأحزاب والجمعيات السياسية ولا مجرد انتخابات وصناديق اقتراع، وإنما الأمر يتعلق بثقافة سياسية وبمجتمع مدني وبأحزاب سياسية .
وبرأي عام وبصحافة قوية وبحرية تعبير ورأي وبمنابر للنقاش والحوار وبوعي سياسي في المجتمع ككل. نختم إلى القول ان ثقافة الأبوية والزبونية تسيطر على المشهد السياسي الموريتاني من خلال هيمنة وتحكم المؤسسة العسكرية في الفضاء السياسي في غياب قوى سياسية مدنية فاعلة وقوية.
أستاذ الإعلام، جامعة الشارقة : mokirat@sharjah.ac.ae