عادت هيلاري كلينتون مرة أخرى إلى الأضواء استعدادا للمؤتمر العام للحزب الديمقراطي. فقد نقل عنها أنها طالبت بترضية أنصارها وإعطائهم الفرصة »للتعبير الحر عما يجيش في صدورهم« من غضب أو إحباط في أثناء المؤتمر العام. كما أعلن لاحقا أنها ستكون – هي وزوجها الرئيس السابق- من بين الذين يلقون الكلمات الرئيسية في المؤتمر العام.
ولعل الضجة المثارة حاليا حول »احتواء« هيلاري كلينتون وأنصارها دليل على أهمية المؤتمر العام الذي ظل بعض المراقبين العرب لسنوات طويلة يعتبرونه مجرد »تحصيل حاصل« لا يعدو كونه »مهرجانا تطلق فيه البالونات الملونة وتلقى فيه الخطب ويتم فيه الإعلان عما هو معروف سلفا«.
فصحيح أن مرشح الحزب يكون معروفا قبل فترة طويلة من انعقاد المؤتمر كما هو الحال مع أوباما وماكين هذا العام. وصحيح أن اختيار نائب الرئيس يتم قبل المؤتمر ويعلن عنه رسميا خلاله، إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن ما يحدث في المؤتمر يكون مجرد تحصيل حاصل. فللمؤتمر في الواقع وظائف أخرى بالغة الأهمية إلى جانب الإعلان عن المرشح ونائبه.
فالوظيفة الأولى والأكثر أهمية للمؤتمر العام هي خلق صورة عامة إيجابية للحزب تساعد عل تعظيم فرصه في انتخابات الخريف. ومن ثم يرسم الفريق العامل مع مرشح الحزب استراتيجية تتعلق بالرسالة المراد توجيهها حول فلسفة الحزب ووحدة صفوفه ورؤيته لمستقبل أميركا في الأعوام الأربعة المقبلة.
وعلى ذلك، لا يوجد في المؤتمر العام المعاصر أي شيء تلقائي، إذ أن كل أحداثه مخطط لها سلفا وبعناية شديدة. حتى إن بعض الباحثين يتهكمون قائلين إنه حتى البالونات التي تتساقط تكون مخططا لها سلفا متى وكيف تنطلق. وكل ذلك يؤدي في النهاية إلى مؤتمر عام »مبرمج« إذا جاز التعبير يسيطر على رسالته بدرجة كبيرة المرشح الفائز.
إلا أن قدرة هذا المرشح على السيطرة على أحداث المؤتمر ليست أوتوماتيكية إذ يكون على قيادات حملته العمل لشهور طويلة حتى يخرج المؤتمر بالصورة التي يريدها لخدمة أغراضه الانتخابية، وهو ما يعني مفاوضات مضنية مع القوى المختلفة داخل الحزب.
ومن هنا فإن دعوة أوباما لكل من بيل وهيلاري كلينتون لإلقاء خطبتين في المؤتمر العام مسألة جوهرية في هذا الإطار إذ أنها تعكس رغبة فريق أوباما في رأب الصدع الذي حدث أثناء الحملة التمهيدية لا فقط مع الزعيمين وإنما مع جمهورهما الذي لايزال يشعر بأن هيلاري كلينتون لم تعامل بالقدر الذي تستحقه من الاحترام.
وليس سرا أن دور هيلاري كلينتون وزوجها أثناء المؤتمر العام موضع مفاوضات مضنية هذه الأيام. وهو أمر معتاد في واقع الأمر. فكل ما يحدث في المؤتمر يكون له هدف واحد هو أن يسهم في فوز مرشح الحزب في نوفمبر.
ومن هنا فالخطب التي تلقى فيه تخضع لإعداد دقيق بدءا من اختيار الرموز التي ستلقيها ووصولا لمضمونها. فعلى سبيل المثال اختار فريق بوش في عام 2000 كولين باول ليلقي بكلمة في المؤتمر العام للحزب الجمهوري نظرا للشعبية التي تمتع بها باول في أوساط الجمهوريين. إلا أن هذا لم يمنع من أن تكون الكلمة التي سيلقيها الرجل مثار مفاوضات مضنية انتهت إلى قبول باول لبعض مقترحات فريق بوش ورفضه بعضها الآخر.
وعادة ما تشتمل المفاوضات مع من هو في موقع هيلاري- كمرشحة خرجت من السباق بعد أن حصلت على نسبة لا بأس بها من الأصوات - على موضوعات تتعلق بدورها في حملة الخريف بما يخدم مرشح الحزب ويعترف في الوقت ذاته لها بالمكانة والاحترام الذي يليق بما حصلت عليه من أصوات قبل انسحابها.
أما الوظيفة الثانية للمؤتمر العام فهي إقرار البرنامج العام للحزب. ويشكك البعض في أهمية تلك الوظيفة ويعتبرون أنها بلا قيمة طالما أن برنامج الحزب ليس ملزما للمرشح ولا حتى لأي مسؤول في الحزب. ورغم أن هذا صحيح من زاوية أن مسؤولي الحزب المنتخبين في كافة المستويات لا يلتزمون بالبرنامج العام، إلا أن لهذا البرنامج وإعلانه في المؤتمر العام أهمية بالغة لا تتعلق بالالتزام به.
فالحزب في أميركا عبارة عن مظلة واسعة تنضوي تحتها عشرات من المصالح المتناقضة والقوى المتنافسة. ومن ثم فإن المؤتمر العام للحزب هو الساحة التي يحدث فيها التوفيق بين هذه المصالح والقوى. ويأتي في القلب من ذلك عملية كتابة البرنامج العام للحزب.
ووظيفة هذا البرنامج الأساسية هي تقديم فلسفة عامة للحزب تكون من العمومية بمكان حتى تسمح بالتفاف القوى والتيارات المختلفة حول مرشحه. وهي مسألة ليست مسألة سهلة إذ يكون لكل من هذه القوى مطالبها وأولوياتها التي تسعى لأن يعبر عنها البرنامج العام.
بعبارة أخرى صحيح أنه لا يوجد ما يلزم أي مسؤول سياسي ببرنامج الحزب، بل إن روبرت دول قال حين فاز بترشيح حزبه في 1996، أنه لم يقرأ البرنامج العام ولن يلتزم به إلا أن أهمية البرنامج العام تتمثل في انه يعبر بوضوح عن توازنات القوى داخل الحزب والتي تعكس نفسها بالضرورة على مرشح الرئاسة في حملة الخريف.
فقد كان أحد أهم العوامل التي أسهمت في هزيمة بوش الأب في 1992 هو أن البرنامج العام، بل والمؤتمر كله عكس هيمنة تيار اليمين الديني على مقدرات الحزب، الأمر الذي استعدى الناخبين المعتدلين بمن فيهم المعتدلين الجمهوريين.
وبناء على تلك الوظيفتين يكون معيار نجاح المؤتمر العام للحزب هو ما إذا كان قد نجح في أن يقدم للناخبين صورة إيجابية عن مرشحه باعتباره يقف على قمة حزب قوي وموحد، ويحظى بدعم واضح من أغلب قواه وتياراته أم أنه مرشح سيخوض انتخابات الخريف وهو يعاني من انقسام حزبه على نفسه وتناحر قواه الأمر الذي يجعله حزبا عاجزا عن قيادة البلاد في الأعوام الأربعة المقبلة.
كاتبة مصرية : manarmes@yahoo.com
