بين الحين والآخر تطرح القوى الدولية والإقليمية المؤثرة مشاريع عولمية ظاهرها مصلحة الشعوب المعنية بالمشروع بصورة ندية ومتساوية، وفي غالبها مشاريع سياسية اقتصادية. مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي، والاتحاد من أجل المتوسط الفرنسي، ومشروع تقسيم دول الشرق الأوسط على أساس عرقي وطائفي الأميركي الإسرائيلي وغيرها من المشروعات .
بعض تلك المشاريع بدأ تنفيذها على أرض الواقع، وبعضها طرح وواجه معارضة ولم يكن الوقت مناسباً فتم تأجيله والبعض الآخر هي مشاريع مستقبلية. إن آخر تلك المشاريع هو مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، ولكل مشروع منها له أهدافه، ومخطط له وقد تكون أهم أهداف لمثل تلك المشاريع ليست لصالح الشعوب المستهدفة بتلك المشاريع أو الشعوب الأضعف التي تشملها مثل تلك المشاريع.
واليوم نحن بصدد تأمل مشروع الاتحاد من أجل المتوسط إن مجرد التسمية للمشروع تثير تساؤلات حول مضمونه وأهدافه، فماذا يعني الاتحاد من أجل المتوسط؟ ولماذا يطرح في هذا الوقت؟ إن صاحبة المشروع هي فرنسا في عهد رئيسها الجديد، فهل هو محاولة لخلق تكتل مواز للاتحاد الأوروبي الذي فيه فرنسا عضواً فاعلاً لكنها ليست في موقع قيادته.
ولا يمكن أن يكون موازياً أو مضاداً للمشاريع الأميركية بعد ما اتضح أن سياسة فرنسا الجديدة ليست على خلاف مع السياسة الأميركية عالمياً، إذا لماذا هذا المشروع وهل هو التفافة أميركية فرنسية لدعم إسرائيل؟! من خلال التوجهات التي طرحت في مؤتمرات القمة الأول لهذا المشروع فإن الأهداف السياسية هي الأهم والأعم في هذا المؤتمر بالتركيز على السلام بين العرب وإسرائيل.
والهجرة الأفريقية الغير شرعية إلى أوربا المتوسطية، والموضوعان يهمان إسرائيل وأوروبا أكثر مما يهمان العرب، ولذلك فمشروع الاتحاد من أجل المتوسط يخدم العرب حتى وإن رأت بعض الدول العربية المتوسطية بأنها ستستفيد منه في حالة تحقيقه على أرض الواقع سياسياً واقتصاديا وثقافياً.
إن هذا المشروع هو تكتل إقليمي ضمن مشاريع التكتلات الكبرى الذي يتجه لها العالم الأول والثاني في الوقت الذي يتجه فيه هذا العالم الأول إلى تفتيت دول العالم الثالث! وعندما طرح مشروع الاتحاد من أجل المتوسط صيف 2008م وعقد رؤساء 43 دولة اجتماعاً بدعوة من فرنسا صاحبة الفكرة.
وضم المشروع 18 دولة واجه ثلاثة اتجاهات هي: المؤيدون للمشروع: عدد من الحكومات بزعامة فرنسا لها مصلحة من ذلك التكتل سياسية واقتصادية على المدى البعيد. والمتحفظون على المشروع سواء حضر بعضهم أو لم يحضر فإنهم متخوفون من المخاطر التي قد يخلقها تطبيق ذلك المشروع في المستقبل، ولذلك لا يريدون التسريع في اتخاذ القرار بالوقوف إلى جانب المشروع قبل الدراسة المتأنية والتفكير في الآثار المترتبة عليه على دولهم وسياساتهم ومصالحهم .
أما الرافضون للمشروع والذين لم يحضروا مثل ليبيا أو ربما حضر بعضهم ولم يحدد موقفه فإن هؤلاء يرون خطورة مثل هذه المشاريع لأن الأهداف كما يعتقدون سياسية لا تخدم بلدانهم وإنما يستفيد منها إسرائيل وعدد من الدول الأوروبية الرئيسية على البحر المتوسط مثل فرنسا وايطاليا وغيرهما.
وينبع ذلك التخوف من الحديث عن أهداف المشروع المتوسطي المعلن والتي أشرنا إليها، وأن المستفيد منه هي دول الحوض الأوروبية والتي هي بالمقارنة أقوى من دول الحوض العربية، كما تستفيد إسرائيل بكل تأكيد من ذلك المشروع لأن مسألة السلام تخدمها لأن ليس هناك سلام حقيقي.
أما قبرص وتركيا فلها حساباتها في مدى الاستفادة من ذلك المشروع تركيا تعتبر نفسها قوة إقليمية من جهة وتسعى منذ زمن دخول السوق الأوروبية المشتركة، وقبرص لديها مشاكلها اليونانية التركية التي ترى أن مثل ذلك المشروع يخدمها. هناك إذاً اختلال في التوازن بين دول المتوسط، حيث سيكون المشروع للدول القوية وليس العكس.
والجانب السياسي التكتيكي هو إن بعض الحكومات قد وجدت فرصة في لقاء القمة لدول البحر المتوسط في باريس مثل سوريا ولبنان وإسرائيل لتحقيق اختراقاً أو مكسباً سياسياً آنياً، وقد حضرت الملتقى دول غير متوسطية كمراقبين.
ولما كانت فرنسا قد تزعمت المشروع واللقاء الأول فإن أسبانيا اقترحت برشلونة مقراً للاتحاد المتوسطي، كما أن غياب بعض قادة دول البحر المتوسط عن القمة في باريس مثل المغرب أثار تساؤلات عديدة. إن اللقاءات التي تمت على هامش القمة في باريس أوضحت البعد السياسي للاتحاد مثل لقاء رئيس وزراء وإسرائيل مع الرئيس الفلسطيني، والرئيس السوري مع الرئيس اللبناني.
أما الجامعة العربية فقد حضرت اللقاء كمراقب، وفي زحمة التغطية الإعلامية للحدث فإن الجامعة العربية تمثل الدول العربية رسمياً موقفها عاماً ومراقباً وليس محدداً، لكن ينبغي أن تستفيد الجامعة العربية من مثل تلك المشاريع بأن تتطور لتصبح منظمة إقليمية عربية فاعلة موازية أو بديلة لتلك المشاريع. لكن الأمنيات كثيرة والفعل قليل لكنهم يعملون ونحن إما متفرجون أو مستهلكون لنتائج عمل الآخرين.
وختاماً نقول لن يكون مشروع الاتحاد من أجل المتوسط آخر المشاريع التي تطرح، وعلينا أن نقيّم حصيلة المشاريع السابقة عليه حتى ندرك مدى الآثار التي ستنعكس علينا عندما يصبح هذا المشروع حقيقة لقد فسر البعض على إن هذا المشروع هو محور جديد تتزعمه فرنسا ضد الهيمنة الأميركية على سياسة العالم والشرق الأوسط، وليس لفرنسا مركز القيادة في الاتحاد الأوروبي.
وهذا التصور قاصر وغير صحيح لكن بدون شك لفرنسا أهدافاً بعيدة من ورائه حيث يحتمل العبارة التي قالها الرئيس الفرنسي ساركوزي في اجتماع القمة الأولى لمشروع الاتحاد المتوسطي « لا نريد أن نكون جيراناً فقط بل شركاء » كثيراً من التفسيرات حول الأهداف البعيدة لهذا المشروع.
كاتب كويتي : riyadh.essa@its.ws
