إذا كان هناك من حدث أثّر بقوة ولا يزال في ضمير ووجدان المواطنين في وسط وشرق أوروبا، فأنه بلا شك «ربيع براغ» من عام 1968 الذي تمر حاليا ذكراه في ظل ظروف سياسية مختلفة تماما عن تلك التي كانت سائدة في ذلك التاريخ المصيري.

فالذي جرى في شوارع براغ خلال الساعات واللحظات العصيبة أثر بشكل سلبي على التطور السياسي والإيديولوجي والاقتصادي للبلاد، وكرّس في محصلته النهائية الحدود الفاصلة للحرب الباردة مثلما أرادها الاتحاد السوفييتي وشركاؤه في حلف وارسو. حدود مليئة بالدم والبارود، مطلوب منها قمع الكلمة الحرة وإرادة شعب حاول تحرير نفسه من الممارسات التي تاهت بشكل واضح عن التعاليم الاشتراكية الحقيقية.

الهدف كان واضحا منذ البداية : قمع الحركة الإصلاحية التي اندلعت ضمن أطر وهيئات الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، أي تلك الحركة التي حظيت لأول مرة بدعم وتأييد شعبي كبيرين كادا أن يحولاها إلى ثورة إصلاحية حقيقية. أما الهدف التالي فكان إبعاد رموز تلك الحركة وأبرزهم ألكسندر دوبتشيك عن دائرة صنع القرار، نظرا لما كانوا يشكلونه من «خطر» على مستقبل البلاد والتطور اللاحق وفق ما كان يروج له المفهوم الستاليني - البريجنيفي السائد في تلك الحقبة..

وإذا كان تسارع الأحداث قد طغا بأشكاله المختلفة والمثيرة على كل ما كان من الممكن توقعه، فأن التدخل العسكري الذي لم يكن ينتظره أحد شكّل صدمة كبيرة جدا لا تزال ماثلة في وجدان الشعب حتى يومنا هذا، وذلك نظرا للآثار العميقة التي خلّفتها في حركة تطوره السياسية الشاملة. فهذا التحرك الصارم لم يساهم بتأخير التغيير المنشود على الصعيد المحلي فحسب، بل عزّز التوتر السائد على المستويين الإقليمي والدولي، وأمعن في فرض سيادة السلاح والقمع والإرهاب الفكري.

كان الشعب في تشيكوسلوفاكيا السابقة قد ذاق قبل ذلك بأعوام قليلة مرارة الخيانة من خلال ما عرف باتفاقية ميونيخ، لكن خيانة العام 1968 كانت أشد قسوة وأكثر إيلاما.

فالعدوان تم على أيدي من هم مفترض أن يكونوا الحلفاء الأقرب له، ومن أنظمة كان مفترضا أن تناضل لإحياء المُثُل والأهداف التي انتصرت الثورة الاشتراكية لأجلها. أي تلك المُثُل التي كانت تدعو لتحقيق الحرية بكافة أشكالها ولتحقيق الرخاء الفعلي في المجتمع أملا بفرض الديمقراطية الحقيقية التي طالما تغنّى بها الشيوعيون.

لم يكن للحدود المصطنعة مكانا في تلك الثورة، ولم يكن هناك مبرر لقمع المفكرين والمثقفين والفنانين، فالثورة هي (حسب التعاليم الإيديولوجية على الأقل) المكان الذي يحتضن هؤلاء جميعا في بوتقة موحدة قادرة على بناء المجتمع المتطور.

لكن تطور الأحداث أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحقيقة ستسود حتى لو استغرقت عملية إصلاح الخلل بضعة أعوام إضافية، ذاق خلالها الشعب التشيكوسلوفاكي ومعه شعوب وسط وشرق أوروبا، الكثير من الظلم والويلات. فالشعب الذي قُمع في العام 1968 لم يستسلم مثلما كان يأمل منظرو المدرسة الشمولية، بل حافظ على إصراره طوال الأعوام التالية ولم يرضخ للمعايير الإيديولوجية المزيفة التي حاولوا ضخّها في جسده الممزق.

وبجميع الأحوال، أثبتت حركة التاريخ بأنها تسير بوتيرة ثابتة لا يمكن التأثير فيها بأي شكل من الأشكال، لأن مصيرها النجاح طالما أنها تعتمد على الدعم الشعبي غير المزيف.

وثبت بأن أزيز الرصاص وهدير الدبابات الذي ضج في شوارع براغ وحصد آنذاك حوالي ثلاثمئة بين قتيل وجريح، لم يؤثر على التطور الحتمي الذي يريده الشعب والذي بلغ ذروته في أواخر التسعينات من خلال الثورة المخملية التي أطاحت سريعا بالنظام ليس لأنها قوية فحسب، بل لأن ذلك النظام كان مصنوعا من سراب زائف.

ويعتقد كثيرون ممن عاصروا حركتي الانتفاضة في عامي 1968 و1989، بأن الثانية لم تكن ممكنة أبدا لو أن روح الانتفاضة الأولى لم تكن حيّة في نفوس الشعب، كما أن كثيرا من أبطال ورموز «ربيع براغ» شكّلوا وقود «الثورة المخملية» التي صنعت فجرا جديدا لشعب طالما تاق للحرية والديمقراطية.

ويبدو بأن المفارقة الأبرز التي أراد التاريخ تسجيلها في خضم هذه التطورات المتسارعة، قد تمثلت في أن الدول والأنظمة التي ساهمت بشكل أو بآخر في العدوان على تشيكوسلوفاكيا وحركتها الإصلاحية، أصبحت اليوم مجددا، باستثناء روسيا بالطبع، حليفة السلاح والتغيير الديمقراطي معا.

فبولندا وبلغاريا ورومانيا وألمانيا ( الشرقية ) والمجر التي ساهمت جيوشها في ذلك العدوان، أصبحت اليوم أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أي في نفس الكيانين اللذين كانا في السابق رمزا «للإمبريالية البغيضة». وأصبحت هاتان المؤسستان اليوم - بالنسبة للأنظمة الحالية في وسط وشرق أوروبا - ضمانة التغيير والتطور الديمقراطي، ومقياسا يظهر مدى التزام هذه الدولة أو تلك بالمعايير الإنسانية الحديثة المفترض تبنّيها من قبل دولة تؤمن بالحرية والديمقراطية.

إنها مفارقة تاريخية حقا تستدعي من شعوب تلك الدول التفكير مجددا في خيارها الحر، والتحديد فيما إذا كان الانتقال من حلف عسكري إلى آخر يشكل لها ضمانة العيش بكرامة وحرية واستقلال، ويؤمن لشعوبها ما تتطلع إليه دون أي نقصان.

لقد وقفت تلك الدول وقفة شجاعة عندما قررت تبنّي خياراتها الاستراتيجية الرامية لتغيير الأنظمة الاشتراكية المبنية على سراب، ووقفت وقفة شجاعة أخرى عندما اعترفت بخطئها المتمثل بالمشاركة في غزو تشيكوسلوفاكيا السابقة وإدانة ما جرى باعتباره عدوانا فاضحا.

أما اليوم، فأعتقد بأن المطلوب وبإلحاح شديد هو وقفة جدية أخرى، تحدد من خلالها تلك الدول طبيعة المسئوليات الجسام الملقاة على عاتقها. فالزمن هو زمن التحولات الكبيرة، وقرقعة الصواريخ باتت فيه للأسف أكثر وضوحا وخطورة من ذي قبل.

كاتب لبناني

mhalyan@albayan.ae