يمتد عمر القضية الكردية إلى بدايات القرن العشرين. حينها وجد الأكراد أنفسهم مغبونين بتقسيم كردستان الكبرى بين عدة قوى إقليمية في النظام الدولي المتشكل في حينه برعاية قوى استعمارية تُعنى بتثبيت مصالحها قبل كل شيء. هذه القوى الإقليمية هي العراق وسوريا وإيران وتركيا، وقليلاً الاتحاد السوفيتي السابق.
وجد الأكراد أنفسهم مضطرين للتكامل الديمغرافي مع كتل بشرية تحكمها أنظمة شديدة المركزية والتعصب القومي. تعددت أشكال الأنظمة الحاكمة من الإمبراطورية الشاهنشاهية في طهران والأتاتوركية في أنقرة ونظام الحزب الواحد في كل من سوريا والعراق والاتحاد السوفيتي. حدث ذلك أسوة بمجموعات بشرية أخرى تأثرت سلبياً من الوجود الاستعماري البريطاني مثل عرب فلسطين، والكشميريين في الهند وباكستان، والبلوش في إيران وباكستان وغير هؤلاء من مجموعات عرقية موزعة عبر العالم.
في شمال العراق وجد الأكراد أكبر متنفس لهم لكنه بقي دون طموح الساسة الأكراد الجامح نحو الاستقلال الكامل عن الحكم المركزي في بغداد.
هنالك نشأت أكثر الصراعات دمويةً ونزعة تمرد على الحكم المركزي. يعود ذلك إلى تلقّي الأحزاب الكردية السياسية دعماً عسكرياً وسياسياً من قوى إقليمية مهمة، نظام شاه إيران والكيان الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. اكتسبت المواجهة مع الأحزاب الكردية في العراق زخماً دموياً مروعاً أثناء الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980-1988. في هذه الحرب الضروس بامتياز اتخذت الأحزاب السياسية الكردية موقفاً ميدانياً محابياً لإيران ضد الحكم المركزي.
زادت قبضة الأحزاب السياسية الكردية على شمال العراق بعد حرب الخليج الثانية لتخليص الكويت من العراق عام 1991. خلال الحرب استغلت القيادات الكردية الهجوم الغربي المدمِّر على العراق وقامت بطرد رموز الوجود المركزي العراقي في شمال العراق بشكل غاية في الدموية.
ساعدت المظلة الجوية الأميركية المفروضة على العراق الأحزاب السياسية على الاستقلال شبه التام، بدل تطبيق الحكم الذاتي واسع الصلاحيات. إبان الحصار الخانق الذي أضعف قبضة المركز كثيراً ازدهر الوجود السياسي الكردي المناوئ لحكم المركز وتطلعاته وطموحاته.
نكايةً بنظام صدّام حسين قدّمت دول عديدة الدعم الشكلي للكيان الكردي منها إيران وتركيا وإسرائيل؛ هذا إضافة إلى دعم بعض المؤسسات والشخصيات الغربية السياسية والبرلمانية والاجتماعية والإنسانية المتعاطفة. لكن إبان فترة الفراغ الأمني والسياسي المركزي في شمال العراق لم يتمكن الحزبان السياسيان الكرديان بزعامة الطالباني والبرزاني من الحصول على أي دعم أو اعتراف دولي ذي قيمة تُذكر.
أتت سنة احتلال العراق عام 2003 طمعاً في خيراته وموقعه الاستراتيجي في المنطقة. قدّم الساسة الأكراد دعماً معنوياً وسياسياً وعسكرياً جلياً طمعاً في الحصول على دعم دولي سياسي كاف في سبيل استقلال ما يُعرف بإقليم «كردستان العراق». لكن الرياح على الدوام تجري عكس ما تشتهيه سفن القيادات السياسية الكردية. داخلياً بقي العراق يشهد دوامة عنف طائفية وعرقية أكثر بشاعة واستمرارية من أية حرب أهلية معروفة حتى الآن.
ذلك ما حرم القيادات الكردية من اتفاق وتوافق عراقي داخلي هي في أمس الحاجة إليه، لدفع القضية الكردية إلى الأمام إذا ما جاز القول. مالياً ضرورياً لتمويل كيان كردي سياسي فإن مصير مدينة كركوك، الجاثمة على بحيرة نفطية استراتيجية، معلق باتفاق بين الفئات العرقية المتناحرة بسبب التطرف العرقي. بالذات التطرف العرقي الكردي العنيد اتجاه مصير مدينة كركوك يهدد العملية السياسية المترنحة في عموم العراق.
إقليمياً تبيّن للحكومات والدول والشعوب أن المارد الكردي إذا ما خرج من قمقمه فلن يستثني من انتقامه أحداً. القيادات السياسية الكردية تعقد اتفاقيات، من جانب واحد ودون أي اعتبار للمركز، اقتصادية وأمنية وسياسية وثقافية وبشأن التنقيب عن النفط. مع تضارب المصالح بين الاحتلال الأميركي وكل من تركيا وإيران وسوريا يقف الساسة الأكراد في حالة من الحيرة والالتباس مع أي ريح يسيرون!؟.
حالياً أقرب الرياح الهوجاء تمشياً مع مصالحهم هي رياح الاحتلال الذي بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ ذلك بفضل المقاومة والممانعة العراقية المتصاعدة والاعتراضات الإقليمية والدولية الشعبية ضد الاحتلال. بذلك تخسر القضية الكردية شعبيتها بشكل جارف بسبب جملة المواقف المتناقضة التي وقع فيه ساستها، كونها حركة تحرّر وفي الوقت ذاته تناصر أكثر أنواع الاحتلال وحشية وهمجية!؟.
إن احتمال إنشاء كيان كردي في شمال العراق يضيف استقراراً إلى المنطقة المضطربة، مرحلياً واستراتيجياً، بات في حكم الخيال الحقيقي!. منذ البداية هنالك تهديد عسكري أميركي مرحَّب به كردياً على دول الجوار؛ القيادات الكردية لا تنفك تدعو قوات الاحتلال إلى إقامة قواعد عسكرية دائمة على أراضي شمالي العراق. تلك القواعد إن تقام، لا سمح الله، ليست بهدف القيام برحلات التنزه والسياحة والاستمتاع بهضاب شمال العراق السياحية.
هي تهديد دائم للدول الإقليمية والشعب العراقي نفسه. ثقافياً تعلن القوى الكردية أن خير طريق للرد على «الظلم والجور» الذي وقع على الأكراد هو عن طريق ضرب الهويات الثقافية التركية والفارسية والعربية، والصاع بصاعين قدر المستطاع. اقتصادياً فإن جزءاً كبيراً من النفط العراقي مهدد بالبيع في أرضه للشركات الأجنبية الاحتكارية وبأثمان لا تأخذ أي اعتبار للاتفاقيات الدولية.
ما يطالب به الساسة الأكراد بعدم التدخل في شؤونهم من قوى دولية وإقليمية معادية، ما هو إلا مقدمة لتحويل الأكراد إلى رأس حربة تضرب عدداً من الدول والقوى الإقليمية من حولهم. يغالي الساسة الأكراد في توقعاتهم بشأن الدعم الخارجي لتحقيق طموحاتهم، والذي هو في الحقيقة لن يمكّنهم من تحقيق الحد الأدنى من أحلامهم السياسية.
المصالح والأحلام والطموحات الكردية السياسية الحالية تتعارض بشكل شبه كلي كامل مع تطلعات الأغلبية الساحقة من الأمم والشعوب والحكومات والحكام من حولهم. بتعبير آخر فإن التصفيق المستمر لقدوم الاحتلال الأميركي للعراق وبقائه جلب الكثير من الويلات والثبور للقضية الكردية، كان ذلك التصفيق والابتهال من الأفضل أنه ما كان ولا يكون!.
جامعة الإمارات