أشارك دون شك «رفاقنا» الصينيين حلمهم في بناء عالم واحد يختفي فيه استغلال الإنسان للإنسان، عالم قائم على المساواة والعدل والحرية، عالم يسود فيه السلام والتسامح وغيرها من الشعارات، فتلك الرغبات والأمنيات السياسية والمبادئ العظيمة كانت حلمي الجميل وحلم الكثيرين الرومانسي الذي لم يصمد خلال العقود السبعة الأخيرة من اشتراكية الاتحاد السوفييتي والمنظومة الكبيرة التي كانت الصين واحدة منها، وقد لعب الاتحاد السوفييتي دورا يومها في دعم مسيرة تلك الثورة منذ انطلاقها حتى لحظة الطلاق الستاليني.

تلك الأحلام العظمى النبيلة تركها لنا منظرو ومفكرو الطوباوية القادمين من كوكب الحلم عندما رأوا بأم أعينهم حقيقة التفاوت الاجتماعي بين البشر، وشاهدوا بكل جلاء عمق الصراعات التي انطلقت من جسد الإقطاعيات المنهارة في الغرب وصعود الثورة الجديدة التي قادتها البرجوازية الأوروبية ثم «خانتها» وفق تعبير الكاتب المسرحي النرويجي هنرك ابسن عندما انتقد تلك البرجوازية بأنها خانت القيم الديمقراطية التي نادت بها.

لا أحد فينا لا يعيش بالحلم ويتمنى أن يعيشه دائما حتى وان كان في الكوخ، ولكن بتعبير فيورباخ أن لا احد يفكر بشكل مماثل، فالذين يعيشون في القصر لا يفكرون كمن يعيشون في الكوخ، فهل بإمكاننا أن نحلم بشكل واحد ؟. ربما في «اللحظة الإغريقية» لتوحيد الدويلات المتصارعة وتعليق الحرب لفترة قصيرة في هدنة سلام رياضي يجعل الناس تعيش فكرة أيام مختلفة لا يوجد فيها إلا تنافس شريف يحاول فيه الأفضل الأحسن الأقوى انتزاع مكانته ومركزه ويبرز تفوقه ولكن بسلام واقتدار ونزاهة رياضية «دون غش العقاقير».

وهو شعار لا توافق عليه المصانع الرأسمالية القديمة والحديثة التي تلوث المناخ وتقتل الإنسان، فحلمها في تكديس الثروة أهم بكثير من مشاهدة الجثث في البلدان المتنازعة على حقوقها الاثنية.

كنا نتمنى أن يستلهم العالم البعد الفلسفي والرومانسي للشعار المرفوع في اولمبياد بكين كورثة تاريخيين للإغريق، مثلما ظلت المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي ترفع شعارات عظمى كبيرة من نمط «من أجل عالم أفضل وحياة عادلة من اجل عالم خال من الحروب» بينما تواصل الدبابات الروسية والجورجية في فترة الاولمبياد وانطلاق شعلته في الفضاء قذف لهيبها القاتل وشعلتها المحمومة بالموت في سماء أوسيتيا الجنوبية.

سيتقاتل أبطال الحرب في اوسيتيا «المقسمة» وسيمنحون ميداليات شرف المعارك «فيما اوسيتيا وشعبها تحترق من طرفين آخرين» يريان في المصالح السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية هي اكبر من شعار الاولمبياد الصيني، وما سيفعله أبطال روسيا في تلك الألعاب سيفعله أبطال جورجيا، وهناك سيتنافسون وربما يتعانقون من اجل حلم صيني كبير لا يمكن تحقيقه إلا أيام الاولمبياد وفي عالم الرياضة وليس السياسة.

من تعانقوا قبل عقود كرفاق درب ومثلوا بلدا واحدا لعقود سبعة باسم الاتحاد السوفييتي جاءوا اليوم كفريقين متنافسين في بكين ومتقاتلين في اوسيتيا الجنوبية وقد نسوا جثمان ستالين في منتصف الطريق. فهل بإمكاننا أن نغمض عيوننا عن السياسة والمصالح ونحلم برومانسية الشعار ونواصل الحلم لأيام قصيرة في بكين؟ فيما وراء الحلم هناك تراجيديا الفقر والثراء الفاحش وعالم مشحون بالتوتر والقلق والتسلح والنزاعات.

دون شك كان افتتاح العرس الاولمبي في بكين مبهرا وعظيما بعظمة قدرة هذا الشعب على إشادة صرح كبير كجداره التاريخي، فمن الطبيعي أن يكون المولد العظيم للتنين تنينا أكبر هو ذلك العرض الافتتاحي وسيكون أكثر مفاجأة العرض الختامي. لم أفاجأ بقدرة الصينيين على اجتراح الغرائب وفي بلد البارود والطباعة أن يرسموا لنا بالرقص والموسيقى والألعاب النارية لوحاتهم التاريخية.

من صنعوا حضارة عظيمة في الماضي بإمكانهم أن يصنعوا حضارة جديدة اليوم حتى وان حاول الإعلام الخارجي النفخ بخبث في بعض سلبيات الصين التي يرى فيها الصينيون ضبابا عابرا كضباب أغسطس ويوم الافتتاح وما سيبقى في الصين وللصين جدارها وشعبها وتاريخها لهذا لم يلتفت الصينيون لخطاب الرئيس بوش عن حقوق الإنسان لديهم ولا بمفردات رجل يمر ترانزيت من تايلاند في طريقه للتمتع بمسألتين ثقافية وسياحة رياضية وسياسية وهو يودع مقعده قريبا بافتتاح السفارة الأميركية الجديدة في بكين.

لكل وفد وجهته ولكل ضيوف بكين أحلامهم المختلفة، وان حاولت الصين إقناعهم قسرا إن الشعوب تحلم بعالم واحد وأحلام واحدة، ومن هنا نفهم لماذا كان رد الصينيين غاضبا ودبلوماسيا على الرئيس بوش باعتباره ضيفهم وباعتباره شريكا اقتصاديا كبيرا وهناك مصالح عظمى بين البلدين وهي الأهم كعالم واحد بمصالح مشتركة حتى وان صارت الأحلام هباء.

الصينيون كعادتهم الدبلوماسية ردوا بقوة، إننا نهتم بشعبنا أولا، إذ واصل حاملوا الشعلة والمتناوبون عليها طريقهم دون التفات، وقد بلغ عددهم 140 حاملا / عداء للشعلة في مسيرة بلغت مسافتها ما يقرب ثمانية كيلومترات، فهل يصعب على شعب عاش مسيرة كبرى في تاريخه قادها رمزه المعبود ماوتسي تونغ.

المفردات العظمى تستهوي الصينيين، والمشاريع الضخمة يتمتعون بانجازها، لهذا توقف العالم مذهولا للمبلغ الذي أنفقه الصينيون خلال فترة الإعداد للدورة حيث وصل 40 مليار دولار، يستحقها بالفعل شعب فاق المليار ومشاهدون من شتى أنحاء العالم. ما حلم به القدماء الإغريق أيقظه في الضمير العالمي المسؤولون الصينيون، فهم يواصلون ترسيخ فكرة الرياضة كطريق وصيغة لتقريب البشر من كونهم مجتمعا واحدا وكتلة إنسانية واحدة تعيش حلما واحدا وللأبد.

فرغم كل محننا سنتخطى الخلافات والتجاوزات والفروقات العرقية والاجتماعية لعل السلام والتسامح وحدهما يخلقان عالمنا المفقود ولو لأيام معدودة، سنعيشها سويا ونحن مسمرين أمام التلفاز نتابع نتائج الدويلات الصغيرة والدول العملاقة، من ستكون في الصدارة، ولكننا سننتظر مفاجئتين، دول غير معروفة تنتزع ميداليات ذهبية من دول كبيرة ودولة واحدة تسعى لتكون رائدة أولمبياد عام 2008.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com