في عرض أسطوري مبهر فاق عروض افتتاح الدورات الخمس والعشرين السابقة شهده ثمانون من رؤساء الدول من كل القارات بمن فيهم من أصدقاء وأعداء الصين، ومن دعاة وأدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفى مقدمتهم الرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب والحالي جورج بوش الابن، والرئيس الفرنسي ساركوزي وهم الأكثر مناوءة للصعود الصيني الصاروخي الاقتصادي والسياسي في العالم.
جمعت الصين يوم الجمعة الماضي العالم كله داخل «عش الطائر» وراء سور الصين العظيم، وعلى مشهد من مئات الملايين من المشاهدين في العالم تمت إضاءة الشعلة الأوليمبية المقبلة من أثينا قاطعة أطول وأصعب رحلة لها عبر التاريخ وصولا إلى بكين متحدية كل محاولات العرقلة والمنع والاحتجاج المدبر خصوصا في لندن وباريس لإفشال الدورة.
وعندما وقف الرئيس الصيني «هوجنتاو» ليعلن افتتاح دورة بكين للألعاب الأوليمبية بدا كمن يقول لكل الغائبين ولبعض الحاضرين «الآن ستشهدون بأسى فشل كل محاولاتكم» ، صحيح أنه لم يقلها، ولكن سمعها كل الذين حاولوا إفشال الدورة السادسة والعشرين وتسييس الرياضة، بجعل السياسة امتداداً للحرب الأيديولوجية والمصالحية بين الشرق والغرب، وجعل الرياضة امتداداً للسياسة.
بينما الرياضة في الأصل جاءت لترويض السياسة، ومازال ماثلاً في الأذهان أن دبلوماسية «البنج بونج» بعد زيارة فريق تنس الطاولة الأميركي لبكين في السبعينات هي التي فتحت باب سور الصين العظيم للرئيس الأميركي الأسبق نيكسون لزيارة الصين فاتحا الطريق لعودة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبكين.
وعندما بدأ العرض الأسطوري المبهر بتقنياته وفنونه وتنظيمه وروعته الفائقة واجه الجميع ساعة الحقيقة الحلوة لدى البعض والمرة لدى البعض الآخر، لكنها الحقيقة في النهاية أن التنين الصيني قد نهض وأصبح من المستحيل أن يجهض نهضته أحد، وأن مكانه الجديد أصبح في المقدمة بين القوى العالمية الكبرى وأن الشرق ليس أصغر ولا أضعف من الغرب، وأن التقدم العلمي والتكنولوجي لم يعد حكرا على أيديولوجية بعينها رأسمالية كانت أو شيوعية، وأن النهضة مرهونة بإرادة الشعوب الساعية إلى النهضة وقياداتها مستقلة الإرادة المعبرة عن إرادة شعوبها والمؤهلة للإدارة.
لقد أعطت الصين دروسا كثيرة وبليغة بنجاحها في تحدي تنظيم هذه الدورة الرياضية، تتويجا لنجاحاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية، بشعبها العظيم الذي يقترب من المليار ونصف المليار إنسان والذي بلغ معدل النمو فيها 12% بما يفوق أكبر معدلات النمو في العالم، والذي تغزو منتجاته المتنوعة المدنية والعسكرية كل أسواق العالم.
والذي كسر احتكار السلاح النووي، واستطاع بتقدمه الحضاري، وتفوقه الاقتصادي، وقوته العسكرية أن يستعيد مكانته الفاعلة على الخريطة العالمية ويفرض على العالم ليس فقط الاعتراف الدبلوماسي بعد أن كان ذلك في الخمسينات من المحرمات الدولية، بل أيضا شغل مقعده الدائم بمجلس الأمن الدولي.
وهل ننسى العدوان الثلاثي على مصر عام 56، لكسرها الاحتكار الغربي للسلاح بصفقة الأسلحة الروسية بوساطة صينية بعد لقاء عبدالناصر وشو إن لاي في باندونغ وعقابا لأول دولة عربية وأفريقية تكسر المحرمات السياسية الغربية وتعترف بالصين الشعبية. لقد فشل الغرب مع مصر بالأمس كما فشل مع الصين اليوم.. وبدت أضواء الشرق تخطف أبصار الغرب.. وليس العكس.