عندما تستولي طغمة انقلابية على السلطة، فإنها تحرص من الوهلة الأولى على تبرير عملية التحرك الانقلابي ببذل وعود خداعية. والحالة الموريتانية ليست استثناء.
التعهدات التي قطعها على نفسه المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا يمكن تلخيصها كما يلي:
إن الحكم العسكري وضع انتقالي سينتهي بعد فترة قصيرة.
إن البرلمان المنتخب في ظل النظام الديمقراطي التعددي سيبقى.
إنه لا حجر على الأحزاب السياسية والنقابات.
إن حرية الصحافة ستكون مصانة ومحترمة.. وكذلك كافة الحريات العامة والفردية.
ولنتساءل.. إذا كانت مرتكزات وقيم النظام الديمقراطي الحزبي ستكون مكان احترام وحماية في الوضع الجديد.. فلماذا وقع الانقلاب أصلاً؟
أغلب الظن أن عناصر المجلس العسكري الانقلابي يعتزمون إقامة سلطة استبدادية قهرية في مرحلة لاحقة، أما الوعود باحترام المؤسسات الديمقراطية والأحزاب والنقابات والحريات العامة والخاصة، فإن الغرض منها طمأنة الجماهير من أجل شراء الوقت اللازم لبناء السلطة الاستبدادية، وهذا هو ديدن الانقلابيين في كل زمان ومكان. لكن انفضاح وانكشاف نوايا الطغمة في موريتانيا جاء بأسرع ما كان يتوقع قادة المجلس العسكري:
خرجت مسيرتان سلميتان إحداهما لتأييد الانقلاب والثانية لمعارضته، وبينما لم تتعرض قوات الأمن للمسيرة الأولى فإنها انقضّت على الثانية بأقسى وسائل القمع.
وعود الحركات الانقلابية عديمة المصداقية. فبمجرد أن تستولي حركة انقلابية على آلة السلطة، فإنها لن تتنازل عنها طوعاً إلا في أحوال أندر من النادر، وإذا كان الغرض في مثل هذه الوعود هو إشاعة حالة من الاسترخاء في أوساط الجماهير ريثما تحكم الطغمة قبضتها على السلطة، فإن القيادات الحزبية مطالبة بالتحرك المضاد المنظم بأسرع ما يمكن. أي أن تستثمر حالة الضعف الأولية للطغمة العسكرية قبل أن يشتد عودها.
فكلما انقضى وقت، كلما صار الطاقم الانقلابي أشد قدرة على ممارسة القهر بثقة.