عجزت اتفاقيات جنيف، منذ دخولها حيز التنفيذ قبل نحو ستة عقود من اليوم، وعلى الرغم من مصادقة معظم دول العالم عليها أن توقف نزيف الحروب وفظاعاتها ووحشية الاعتداءات على المدنيين، الذين كانوا على الدوام دافعي فواتير تلك النزاعات الباهظة، وذلك لغياب الآليات الفاعلة التي تضمن لتلك الاتفاقيات صيرورة التطبيق على أرض الواقع ووقوعها، هي الأخرى، ضحية صراعاتٍ ومؤامرات وتوازناتٍ دولية لا تأخذ في الحسبان طبعاً آلام وعذابات البشرية التي أرهقها جنون الحروب، الذي ضرب بلوثته كل بقعةٍ على الأرض تارة.
ولغلبة ما اصطلح على تسميته ب«القانون الدولي العرفي»، الذي كان له اليد الطولى في حسم توجهات إدارة الحروب من جهة الممارسات والسياسات التي اختارتها العديد من الدول والتي أسهمت إلى حدٍ بعيد في خلق قاعدةٍ ثابتةٍ في الأعراف الدولية تارةً أخرى.
وذلك رغم كل المجهودات اليائسة لعهد جنيف ومن ورائه منظمات الصليب والهلال الأحمرين وحقوق الإنسان ومحكمتا العدل والجنايات الدوليتان لأنسنة الحروب ودرء شرورها.
رغم أن الذراع القانونية لاتفاقيات جنيف وهو نظام روما الخاص بإنشاء محكمة الجنايات الدولية، سعى جاهداً لوضع حدٍ لانتهاكاتها موضع المحاسبة الفعلي، إلا أن ذاك النظام وقع مجدداً أسير تناقضات عواصم القرار السياسي المتشعبة. إذاً فرضت أجندات دول العالم ومصالح القوى الكبرى نفسها مجدداً على ساحات الوغى، ونجحت في تهميش دور القانون الدولي الإنساني، ونقله إلى مربع البيانات المنددة وخندق العجز عن القيام بأي حراكٍ ملموس يخفف من ويلات النزاعات المنفلتة من عقالها في حربٍ داخلية نشبت بين وحشية تلك الأجندات وإنسانية قوانين جنيف.
ويعاب على اتفاقيات جنيف أيضاً حقيقة وجود دولٍ صادقت على مكوناتها الأربع من دون المصادقة على بروتوكولاتها المضافة مثلاً ما يشكل ثغرةً واسعةً في جسمها القانوني تنفذ منه الدول المشار إليها بالتورط في الانتهاكات.
لابد ، والحال كذلك، من عقد مؤتمرٍ دوليٍ يحدد آليات فاعلة تلزم الأطراف المتحاربة بوضع بنود الاتفاقيات موضع التنفيذ ويكفل محاسبة المتجاوزين من دون تمييز ويحرر عهد جنيف من الأسر وسوء المعاملة الذي تعرض له طوال سني حجزه، وينتشله من حالة العزلة الفردية، التي زجه فيها سادة الصراعات.
يقال إن الاتفاقيات وضعت لتخرق . وفي عالم اليوم، كم تبدو عبارة «الحروب تبدأ في عقول الرجال أولاً» التي نقشت في دستور منظمة «اليونسكو» قريبة إلى الواقع.
