كثيرة هي التقارير والدراسات التي أعدها سياسيون وخبراء أميركيون مخضرمون، وأكدت خطأ إدارة بوش في تعاملها مع سورية، ودعت هذه الإدارة إلى تصويب مواقفها وسياساتها تجاه سورية، والتعامل معها كطرف أساسي لا بدّ منه إذا ما أريد للمصالح الأميركية أن تأخذ طريقها إلى التحقيق.
بدأت هذه التقارير والدراسات في الصدور منذ غزو العراق، وكان آخرها قبل أيام، في حين شكل تقرير بيكر ـ هاملتون الشهير الذروة على هذا الصعيد.
وعلى الرغم من ذلك فإن إدارة بوش كانت تصمّ آذانها عن سماع النصح حتى ولو كان أميركياً، وكانت تكتفي بما تقوله لها إسرائيل، فكانت النتائج كارثية على المنطقة أولاً، وعلى المصالح الأميركية ثانياً، وعلى مجمل الأوضاع العالمية، بشهادة السياسيين والعسكريين والخبراء في أصقاع المعمورة، وعلى رأسهم الأميركيون الذين قالوا ما عندهم بصوت عال، وبالأرقام والوثائق المؤكدة لذلك.
سورية ركن أساسي لا يمكن تجاوزه في المنطقة مهما كانت الظروف، فهي، بحكم موقعها وسياساتها وارتباطاتها ومصالحها، طرف ليس أساسياً فحسب بل الأدرى بشعاب المنطقة، والأكثر إدراكاً لمتطلباتها الأمنية، وتملك من الخبرة السياسية ما يمكنها من استشراف المستقبل بشكل دقيق.
وقد قالت سورية ما عندها لإدارة بوش منذ البداية، وحذّرت، وقدّمت الحلول، ودعت للحوار المتوازن البناء، خاصة في ما يتعلق بغزو العراق، وبسبل إعادة إطلاق عملية السلام، وصولاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة.
ولكن إدارة بوش، وبدلاً من أن تصغي لصوت سورية، تمادت في الضغط عليها واستفزازها، مغلبة أسلوب القوة والتهديد على لغة العقل والحوار، فوقعت بالأخطاء القاتلة، وغاصت في أوحال كان من الممكن تداركها.
وما نادت به سورية لم يكن سوى الواقع، والشرعية الدولية، والمصالح المتبادلة، وكل ما من شأنه بلوغ الأمن والاستقرار الحقيقيين في المنطقة.
والآن، وبعد كل هذا الذي حصل وفي خريف السياسة الأميركية، هناك من يشير إلى أن إدارة بوش تريد التوجه نحو الأخذ بتقارير سياسييها وخبرائها حول ضرورة التعامل مع سورية بإيجابية وانفتاج وجدية... وهنا يبرز التساؤل التالي: أليس من الواضح أن إدارة بوش تأخرت جداً، وأن الأوان قد فات وخاصة أنها تستعد للخروج من البيت الأبيض بعد نحو خمسة أشهر؟! إنه مجرد تساؤل.
