يشكل التحريض السياسي المستمر حافزا قويا لنظام أو دولة من أجل ارتكاب خطأ عسكري قد يتعذر العودة عنه او تجنب عواقبه وفي هذا ما فيه من موعظة كبرى للذين يطنطنون من خلف مكبرات الصوت او خلال الحديث لوسائل الإعلام بالقول ان العمل العسكري يشكل حلا ناجعا لأزمة سياسية او حدودية اينما كان موقعها على خارطة العالم.
وتعتبر الأزمة الخطيرة التي وقعت فيها جورجيا مؤخرا نموذجا واضحا على ذلك، حيث تشجعت كثيرا على حسم ازمة اوسيتيا الجنوبية بالوسائل العسكرية، واختارت لذلك توقيتا حرجا هو افتتاح الدورة الاولمبية في بكين حيث معظم قادة العالم هناك ومن بينهم رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الذي ما ان عاد من رحلته حتى حمي وطيس الحرب المضادة وسحقت الاسلحة الروسية المختلفة قوات جورجيا واجبرتها على الخروج من اوسيتيا بالكامل والطلب من الولايات المتحدة التدخل لدى روسيا لوقف القتال، وكأن الجورجيين لا يدركون حجم الأزمة بين الروس والاميركيين وتعارض مواقفهما في مختلف الصراعات الدولية ومنها ازمة الملف العراقي والملف النووي الايراني ولكل من موسكو وواشنطن مطالبه لدى الآخر مستخدما في ذلك الصراعات الاقليمية الأقل كورقة ضغط للفوز بمكتسب سياسي في إطار مباراة عض الأصابع الممتدة بين القوتين الكبريين اللتين اعادتا من جديد أجواء حرب باردة أكثر سخونة مما يتصور العالم.
ومن ثم فإن القول بان خسائر جورجيا ستعوضها لها صداقاتها مع الدول الغربية او تطلعاتها للانضمام الى حلف شمال الاطلسي هو قول يحتاج الى كثير من التمحيص، حيث تبدو كل التصريحات القادمة من موسكو مغلفة برغبة قوية في إثبات الذات الجديدة، ولا نظن ان الغرب في حالة معنوية او استراتيجية تسمح له بافتعال اسباب حرب عالمية ثالثة انطلاقا من ازمة اوسيتيا الجنوبية.
وتبدو معالم هذه الازمة ايضا منعكسة على نحو أو آخر على ازمات الشرق الاوسط ، ومن ثم فإن على الذين ينفخون في نار الحرب النائمة ان يتبصروا في مواقفهم ويكفوا عن التلويح بان معالجة ازمة الملف النووي الايراني عسكريا ستكون مجدية، والسبب ببساطة هو ان المتحدثين بلسان الحرب بعيدون نسبيا عن ساحة المعركة المفترضة وقد لا تصلهم ألسنة اللهب بالقدر الذي ستصل به الى سكان المنطقة الأقرب، ومن ثم فإن لغة العقل والرشد السياسي وقياس المقدمات بالنتائج في علاقة منطقية واضحة الموازين والمؤشرات وبضمير يقظ ومعيار اخلاقي واضح المعالم هي المطلوبة بإلحاح لحل مختلف الصراعات في الشرق الأوسط والعالم كله، فصفحات التاريخ ستحتفظ بأكثرها سوادا لتسجل فيه أسماء اولئك الذين يعرضون مصائر الشعوب المسالمة للخطر انطلاقا من فرضيات ومقاييس واعتبارات غير دقيقة، فبعد ان تقع الواقعة ينفلت زمام الأمور من بين ايدي الممسكين به بعد تحول الأزمة الى صراع مسلح، وهاهي الشواهد التاريخية على صحة هذا الرأي تتعزز يوما بعد يوم، حتى لم تعد تترك عذرا لمعتذر.
