دون أن يكمل الدقائق الخمس الأخيرة قبل أن ينتهي يوم الأحد ليدخل الإثنين الماضي، ولا الأشهر الخمسة الأخيرة قبل أن يكمل التسعين عاما في 11 ديسمبر المقبل، رحل عن الحياة عالم الرياضيات والكاتب والناشر والمؤرخ والناشط الاجتماعي الروسي ألكسندر إيسايفيتش سولجينيتسين.

انتهت حياته المثيرة للجدل والمحيرة بمواقفه المتناقضة خلال حقبتي الاتحاد السوفييتي وما بعد انهياره والمواقف المتناقضة من قبل قيادات الاتحاد السوفييتي والرأي العام الروسي والسوفييتي والعالمي تجاهه. وتراوحت ردود الفعل على وفاته بين: رحل أهم مناضل ضد الشيوعية والسلطة السوفييتية ورحل..

وليته لم يولد أصلا. لقد أفاض الغرب الدموع والإطراء على سولجينيتسين. الرئيس ساركوزي قال عنه إنه كاتب عظيم يضاهي دوستييفسكي، ووصفه الرئيس بوش بأنه ضمير الشعب الروسي، بينما قالت كونداليزا رايس بأنه الشخص الذي فتح أعين ملايين الروس الحمقى على حقيقة وجوهر الاتحاد السوفييتي.

انحدر سولجينيتسين من والده الفلاح الروسي ووالدته - ابنة إقطاعي أوكراني. جند في الجيش عام 1941 بعيد اندلاع الحرب الوطنية العظمى في روسيا. ومع انتهائها في عام 1945 كان قد أدخل إحدى معسكرات الاعتقال (جولاج) لأنه في إحدى رسائله انتقد جوزيف ستالين بسبب انحرافه عن المبادئ اللينينية.

ولكونه عالم رياضيات وفيزياء فقد كان من بين المعتقلين في «شاراشكا»، وهو مركز أبحاث علمية في السجن للعمل على تأمين وسائل الاتصال السرية الخاصة للقيادة السوفييتية. لكنه نقل من هناك إلى معسكر اعتيادي بعد خلاف مع القيادة. هناك سرعان ما وافق على أن يعمل مخبرا ضد سجناء آخرين. وفي عام 1990 نشرت إحدى وشاياته التي اعترف بوقوعها في سيرة حياته مبررا ذلك بضغط الظروف.

أخرج من السجن عام 1953، وأعيد له الاعتبار بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ليعود للعمل مدرسا. واشتهر بعد أن سمح الرئيس السوفييتي نيكيتا خروشوف بنشر مقالته «يوم في حياة إيفان دينيسيفيتش».

لكن صيته ذاع عالميا بعد أن منح جائزة نوبل عام 1970 ونشر في الخارج كتابه الشهير «أرخيبيلاج جولاج» أي أرخبيل معسكرات الاعتقال في عام 1974. وقد اختلف قادة المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي حول الإجراء ضد سولجينيتسين. اقترح بريجنيف إدخاله السجن. وزير الداخلية شولوكوف رأى أفضلية إعادة تربيته دون ممارسة القمع ضده. أما رئيس (كي جي بي) أندروبوف فقد اقترح تجريده من الجنسية السوفييتية وإبعاده، وهو الرأي الذي انتصر أخيرا.

رأى الكثيرون منذ البدء أن سولجينيتسين سيستخدم تحت ستار معاداة الشيوعية كمعول هدم ضد الاتحاد الروسي وروسيا وكان أفضل ما قيل عن أمثاله ما كتبه ألكسندر زينوفيف : صوبوا بنادقهم على الشيوعية فأصابوا روسيا. قوة هذا الادعاء وجدت تأكيدها من وراء المحيط حين أكد برجينسكي بعد انتهاء الحرب الباردة بأن الحرب ضد الاتحاد السوفييتي كانت في الحقيقة حرب على روسيا مهما اختلفت التسميات.

ولم يكن من الصعب أن يقع مثل سولجينيتسين في صيد تلك المخططات نظرا لتقلبات حياته المتتالية ولضعف مبادئه. كان مبدأه، حسب ما كتب نفسه: أن تغتسل أصعب دائما من أن تبصق. يجب أن تتقن كيف تكون البادئ بالبصق وبسرعة في اللحظة اللازمة. لذلك أطلق عليه ناقدوه بسخرية «عبقري البصقة الأولى».

كتاباته تقول بذلك أيضا. كان إينوكينتني فولودين، بطل إحدى مؤلفاته «في الدائرة الأولى» ليس مجرد مستشار حكومي من الدرجة الثانية أو معاد لشيوعية من الدرجة الأولى، بل وخائن حقيقي أخبر السفارة الأميركية عن طريق الهاتف في 4 ديسمبر 1949 بأن الاستخبارات السوفييتية تمكنت من سرقة خرائط القنبلة الذرية من العلماء الأميركان وأنها خلال أيام ستسلم للعميل جورج كوفال. لكن كوفال اجتاز خطر الموت وأكمل مهمته.

بعد أن نفي سولجينيتسين إلى ألمانيا غادرها ليعيش في سويسرا، ثم في أميركا قبل أن يعود إلى روسيا عام1994. هبطت به الطائرة في فلاديفوستوك، ومنها جاب البلاد طولا وعرضا بالقطار مثيرا زوبعة صحافية شغلت العالم كله حتى استقر في ضواحي موسكو على أرض منحها له رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف. لكنه حتى قبل عودته اتخذ من المواقف ما جعل أنصاره السابقين ينفضون من حوله.

فهؤلاء الذين استعانوا بسولجينيتسين كداعية لتحريض الغرب من أجل القضاء على الشيوعية والاتحاد السوفييتي لم يجدوا في كتاباته منذ بداية التسعينات ما يساعدهم في مواصلة العمل على تفتيت روسيا هي الأخرى. في مقالته «كيف لنا أن نبني روسيا» كان واضحا أنه قد أعاد النظر في خياراته، حيث أصبح يبحث مسألة الحفاظ على جمهوريات الاتحاد السوفييتي.

اتهمه الكثيرون، وفي مقدمتهم الانفصاليون والمؤيدون للغرب، بأنه أصبح داعية للحفاظ على الإمبراطورية الروسية. وقد رد على ذلك بأن التطور الديمقراطي المشترك لهذه الجمهوريات كفيل بتفكك الاتحاد السوفييتي فيما بعد وضمان التطور الديمقراطي في كل من مكوناته في المستقبل. وقد شجب سولجينيتسين إصلاحات يلتسين التي اعتبرها شكلا من أشكال نهب روسيا. ثم دعم اتجاه «ترتيب الأوضاع» الذي انتهجه بوتين والحرب الشيشانية الثانية.

أكتب لكم الآن من أوكرانيا. وهنا بالذات لم يعد يخالج القوميين المتعصبين المتنفذين شعور الفخر السابق بسولجينيتسين. فقد قال عن «الثورة البرتقالية» بأنها تذكر بثورة فبراير 1917 البرجوازية في روسيا، حيث تسعى مجموعة سياسية محدودة لتوظيف استياء الجماهير من الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية من أجل الانقضاض على السلطة بدعم وتمويل من الخارج.

وسخر من ذلك بأن «الزمن آخر والأساليب هي هي». كما وصف طرد أسطول البحر الأسود الروسي من سيفاستوبول بأنه احتقار للتاريخ الروسي، أما إلحاق القرم والأراضي الغربية الشرقية بأوكرانيا بأنه عنف سياسي. وفي مقالته الأخيرة عن أوكرانيا «تسميم الشعوب المتآخي» هاجم القوميين المتعصبين الأوكرانيين واصفا إياهم بالعقول الشوفينية المتعفنة.

ترى هل نجح سولجينيتسين في استدراك ما ارتكبه بحق وطنه الاتحاد السوفييتي بعد أن رأى نتائج ذلك تهدد وطنه روسيا؟ أم أن من الأعمال ما لا يغفره التاريخ لأحد؟

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com