هل كان الشاب العشريني (مارك جوكربيرج) يعلم أنه يضع قدميه على أولى درجات سلم الثراء عندما جلس قبل أربع سنوات في غرفته بمساكن الطلبة في جامعة «هارفارد» العريقة بالولايات المتحدة ليبدأ تصميم موقع على شبكة الانترنت يجمع زملاءه بالجامعة ليقوموا بتبادل الأخبار والآراء والصور من خلاله؟

ربما لم يفكر الفتى الأميركي وقتها أن موقعه هذا سوف يصبح واحدا من أشهر المواقع، وأنه سيلقى إقبالا من كل فئات المجتمع، ويثير جدلا يصل إلى حد الصدام بين بعض الحكومات ومعارضيها، خاصة من فئة الشباب الذين وجدوا فيه وسيلة مجانية سهلة ذات مفعول مؤثر وسريع لنشر أفكارهم ورفع أصواتهم في وجه الفساد المستشري في بلدانهم.

كان (مارك جوكربيرج) معروفا بين زملائه بولعه الشديد بالانترنت، وربما لم يكن الجانب التجاري يحتل تفكيره عندما قرر إنشاء موقع «فيس بوك» الذي أصبح خلال فترة وجيزة واحدا من أهم مواقع التواصل الاجتماعي، ونافذة تلجأ إليها مجموعات المعارضة السياسية للتعبير عن آرائها، فقد كان اهتمامه منصبا على تسهيل عملية التواصل بين زملائه من طلبة الجامعة، لكن الشعبية التي نالها الموقع والرواج الذي تحقق له بين طلبة جامعة «هارفارد» دفعاه إلى توسيع قاعدة من يحق لهم دخول الموقع فضم إليه طلبة الجامعات الأخرى والمدارس الثانوية.

ولأن النبوغ لا ينفصل عادة عن الطموح فلم تكد تمر سنتان حتى قرر (مارك جوكربيرج) أن يفتح أبواب موقعه لكل من يرغب في استخدامه، فارتفع عدد مستخدميه بوتيرة دفعته إلى إفساح المجال للمبرمجين كي يقوموا بتقديم خدمات جديدة لزوار الموقع. وعند هذه النقطة أطل الجانب التجاري برأسه فبدأ توقيع تعاقدات مع معلنين وجدوا في الجماهيرية الواسعة التي حققها الموقع حافزا لاستغلاله تجاريا.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي في هذه الفترة تحظى باهتمام كبير، لذلك أقدمت شركة «نيوز كوربوريشن» التي يملكها الملياردير الأسترالي «روبرت ميردوخ» على شراء موقع العلاقات الاجتماعية «ماي سبيس» بمبلغ 580 مليون دولار.

وبعد هذه الصفقة بعام واحد فقط تلقى «جوكربيرج» عرضا لشراء موقعه بمبلغ مليار دولار، لكن طموح صاحب موقع «فيس بوك» كان أكبر من هذا بكثير، فقد رأى أنه لم يتم تقدير الشبكة التي بناها بما تستحق، وثبت أن تقديره هو الأصح عندما سعت شركة «ميكرو سوفت» بعدها إلى شراء 5% من قيمة الموقع بسعر تراوح بين 300 و500 مليون دولار، الأمر الذي يعني أن القيمة الكلية للموقع تتراوح ما بين 6 إلى 10 مليارات دولار!

نعود فنتساءل: هل كان طالب «هارفارد» الذكي يخطط لأن يكون الموقع الذي أنشأه عام 2004 للتواصل بين زملائه الباب السحري لولوجه عالم المال والأعمال؟

ربما، لكننا لا نظن أنه قد توقع أن يثير موقعه كل هذا الجدل، وأن يكون له كل هذا التأثير على شعوب تبعد عن جامعته آلاف الأميال، إلى الدرجة التي جعلت البعض يفتي بحرمة التعامل معه ويطالب بحجبه معتبرا إياه وسيلة من وسائل التغريب لإفساد شباب الأمة، مثلما فعل الداعية الإسلامي السعودي الشيخ علي المالكي قائلا إنه باب من أبواب الشهوات وليس الشبهات، وذلك بعد ازدياد مشاركة الفتيات السعوديات في الموقع وعرض بعضهن «صورا فاضحة وسلوكيات سيئة» وفق ما جاء على موقع «العربية».

أما في مصر فقد ظهر للموقع دور سياسي بدأت معالمه تتضح من خلال الدعوة التي أطلقتها عبره منسقة الموارد البشرية إسراء عبدالفتاح (27 عاما) التي أصبحت تحمل لقب «رئيسة جمهورية الفيس بوك» بعد أن نجحت دعوتها لإضراب السادس من إبريل في استقطاب 70 ألفا من جمهور الموقع الإلكتروني، الأمر الذي أدى إلى إلقاء القبض عليها، وتوجيه تهمة التحريض على الإضراب وإثارة الشغب وحيازة المنشورات .

ثم تكرر الموقف مع 26 ناشطا من رواد الموقع تم اعتقالهم بتهمة تهديد الأمن الوطني بعد أن تجمعوا على شاطئ الإسكندرية أواخر الشهر الماضي، وساروا على كورنيش المدينة محاولين رفع طائرة ورقية قاموا بصنعها على شكل علم مصر وهم يرددون الأغاني الوطنية، وكوّنت مجموعة أخرى على الموقع حركة سمتها «مواطنون ضد الغباء» الهدف منها كما يقول أصحابها محاربة الغباء على مستوى الحكومة والمعارضة والشعب.

حتى في إسرائيل التي يعتبرها الغرب قلعة الديمقراطية في المنطقة، فرض الجيش الإسرائيلي قيودا على الموقع بعد ظهور صور عسكرية عليه، منها غرف عمليات وقواعد جوية وغواصات، حيث اتضح أن بعض الجنود يضعون عليه صورا من خدمتهم العسكرية، وقد تعرض 100 جندي لعقوبات تأديبية، بينما تلقى البعض تحذيرات بإمكانية معاقبتهم لاحقا إذا كرروا مخالفة التعليمات.

وفي كولومبيا انطلقت فكرة الاحتجاج على ممارسات متمردي حركة القوات المسلحة الثورية (فارك) من خلال موقع «فيس بوك» بالدعوة التي وجهها المهندس اوسكار موراليس (33 عاما) من منزله بمدينة «بارانكويلا» على البحر الكاريبي، ليتدفق مئات الآلاف من الكولومبيين إلى شوارع العاصمة «بوجوتا» وتنطلق الاحتجاجات ضد (فارك) في جميع أنحاء كولومبيا وحوالي 100 مدينة أخرى حول العالم.

ثمة ملاحظات كثيرة يمكن أن تقال على موقع «فيس بوك» منها: إمكانية انتحال شخصيات أخرى، ومنها استغلال جهات مشبوهة له في نشر الفتن بين الأديان والطوائف، ومنها تجاهل خصوصية الأعضاء واستخدام صورهم وبياناتهم وأنشطتهم الاجتماعية والمتاجرة بها، ومنها الاستغلال الجنسي نتيجة القصور في الحماية التي يتمتع بها مستخدمو الشبكة، ورغم هذا كله فإن مستخدمي الموقع في ازدياد، والإحصاءات تقول إنهم يتضاعفون بالملايين.

في أواخر السبعينات من القرن الماضي استطاع الإمام الخميني من منفاه في ضاحية «نوفل شاتو» بباريس أن يحرك الشارع الإيراني ويقوده لإسقاط عرش الطاووس، وذلك عبر خطبه التي كانت تسجل على أشرطة كاسيت وتوزع في كل أنحاء إيران فيما سمي حينها بـ «ثورة الكاسيت».. فهل يكون الـ «فيس بوك» وشبكات التواصل الاجتماعي الأخرى والمدونات هي الوسيلة الحديثة لهز عروش طواويس القرن الحادي والعشرين الذين يبدو أنهم لا يقرأون التاريخ وهم يحبسون أنفسهم داخل حدود الجغرافيا؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com