أشعر بالأسى الشديد على الشعب الجورجي الذي أجبر تحت خدعة الديمقراطية الغربية على قبول نظام حكم أدخله الجحيم في حرب خاسرة بجميع المقاييس مع الجارة الكبيرة والقوية روسيا، وأعتقد أن الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي لم يفكر لحظة واحدة في مصالح شعبه وبلده عندما قرر خوض هذه المغامرة الطائشة.
وإن كنت على يقين أنه لم يخضها بإرادته بل بإرادة الغرب وواشنطن، إنها فعلاً حرب بالوكالة كما سماها الجميع، ولم نسمع من ساكاشفيلي نفسه أي إنكار لهذا الأمر، بل على العكس يوجه النداء تلو النداء لواشنطن والغرب بالتدخل لوقف الحرب التي أشعلها هو.
جورجيا الدولة الفقيرة اقتصادياً والضعيفة عسكرياً تدخل في حرب ضد عملاق عسكري تخشاه أقوى دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، ولا مجال بالطبع للمقارنة بين القوة العسكرية الروسية وقوة جورجيا أو حتى قوة جميع الدول المحيطة بروسيا، وهذا أمر بديهي لا أعتقد أن ساكاشفيلي يجهله، لكنه على ما يبدو لم يكن يتوقع هذا الرد القوي من روسيا.
وكان يتصور أن روسيا ستتصرف بشكل دبلوماسي ولن تلجأ بهذه السرعة لاستخدام القوة العسكرية، وهذا في حد ذاته خطأ كبير وجهل سياسي وقصور حاد في فهم الأوضاع الدولية وموازين القوى على الساحة الدولية، إذ أن روسيا التي استعادت قوتها بشكل ملحوظ تحتاج الآن بالتحديد لمثل هذه الحروب مع دول صغيرة وضعيفة من أجل استعراض قوتها وإثبات هيبتها على الساحة الدولية، والعملية قد تكون أيضاً بالنسبة لروسيا أشبه بمناورات عسكرية حية لاستعراض بعض الأسلحة لديها بهدف الترويج لصناعة السلاح الروسي الذي استعاد مكانته في السوق العالمية أخيراً.
لا شك أن الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو الشعب الجورجي الذي عاش سنوات طويلة في كنف الجارة الكبيرة روسيا يعتمد عليها اعتماداً كلياً في كل شيء، فهناك أكثر من مليون ونصف جورجي يعملون داخل روسيا ويرسلون الأموال والمساعدات لعائلاتهم في جورجيا، والاقتصاد الزراعي المتواضع لجورجيا لا يجد له أسواقاً خارجية سوى في روسيا.
ولا يغفل عن أحد اعتماد جورجيا بشكل كبير على الطاقة من روسيا، هذا بالإضافة إلى المودة الكبيرة التي يكنها شعبي البلدين لبعضهما والمكانة والشعبية الكبيرة التي يحتلها الفنانون والمثقفون والكتاب الجورجيون في روسيا، ولا توجد أية خلافات جوهرية بين البلدين، وحتى مشكلة أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا لا تشكل بالنسبة للشعب الجورجي أية أهمية.
الأمر وما فيه أن النظام الوردي الأميركي الذي أتى بالشاب ساكاشفيلي للحكم في جورجيا يهدف بالأساس إلى جر روسيا لحرب أو حروب تستنفذ قوتها وتوقف عجلة التنمية فيها، وهذا الأمر تم تكليف ساكاشفيلي به مباشرة، وقد سبق أن اعترف بذلك رئيس جورجيا السابق شيفرنادزة الذي خلعته الثورة الوردية عام 2003، وقال ان واشنطن طلبت منه التحرش بروسيا وجرها لحرب في القوقاز لكنه رفض ولهذا دعموا الانقلاب ضده.
لا أعتقد أن أية قوة في العالم يمكن أن تتدخل لدعم نظام ساكاشفيلي في الحرب ضد روسيا، ولا أعتقد أن الشعب الجورجي سيصبر على ساكاشفيلي كثيراً، وإعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ القصوى في جورجيا دليل قاطع على أن نظام ساكاشفيلي لا يخشى فقط روسيا بل يخشى أيضاً الشعب الجورجي الذي لن يسكت على مغامرته الطائشة التي سيدفع الشعب ثمنها غالياً بينما سيهرب ساكاشفيلي وأعوانه بالملايين التي تلقوها خلال السنوات الخمس الماضية من الغرب وواشنطن.
كاتب أوكراني