رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.

ولعل أكثر الدول حاجة إلى تدبر هذه الحكمة هي الولايات المتحدة تحت إدارة جورج بوش.

في طريقه إلى بكين للمشاركة في احتفال الألعاب الأولمبية العالمية انتقد الرئيس بوش أوضاع حقوق الإنسان في الصين، وكأن هناك افتراضاً خفياً بأن أميركا أفضل نموذج في مجال الالتزام بحقوق الإنسان. لكن وقعت مصادفة عجيبة، فقد تزامن انتقاد بوش للصين مع صدور حكم بالسجن من محكمة عسكرية أميركية في معسكر غوانتانامو على «حمدان» سائق بن لادن. ووجه العجب أن حمدان سيبقى رهن الاعتقال في المعسكر حتى بعد أن تنتهي المدة القانونية للحكم في يناير المقبل.

تشكيل المحكمة ابتداء عسكري مئة في المئة، بينما حمدان ليست له أية صفة عسكرية، فالقضاة ضباط جيش، وكذلك المدّعون. ولم يُسمح للمتهم بتوكيل محامٍ عنه. فقد عيَّنت له هيئة المحكمة ضابط جيش قانونياً ليكون «محامي الدفاع».

لقد تقرَّر تقديم حمدان إلى محكمة عسكرية ـ وليس مدنية ـ باعتبار حيلة قانونية مبتكرة يُصنَّف بموجبها كـ «مقاتل عدو» وبعد أن تنتهي فترة سجنه بعد خمسة شهور لن يُفرج عنه لأنه سيبقى في نظر الجيش الأميركي مقاتلاً عدواً!

إنها مسرحية مأساوية تعيد إلى الأذهان بدعة «محكمة أمن الدولة» السائدة في بلدان العالم الثالث المتخلفة التي تُشكَّل عضويتها من عسكريين كما هو الحال في محاكم غوانتانامو الأميركية.

ولكن غياب سيادة القانون ليس وقفاً على غوانتانامو. فقد تحوّلت الولايات المتحدة في عهد بوش إلى دولة بوليسية تزاول فيها عناصر أجهزة الأمن الداخلي عمليات اعتقال من دون ترخيص قضائي وتمارس التنصُّت على هواتف المواطنين من دون إذن قضائي. ويجري تشريع قوانين لحماية شركات الاتصالات الضالعة في عمليات التنصُّت. كما يخضع المعتقلون لعمليات تعذيب بدني ونفسي. ومع ذلك تنصِّب إدارة بوش نفسها وصياً على حقوق الإنسان في دول أخرى.

لكن هذا النفاق تفضحه أيضاً تلك المقاربة الانتقائية الأميركية حيث تمتنع واشنطن عن انتقاد الأنظمة الاستبدادية ذات الولاء الثابت لأميركا.

opinion@albayan.ae