تحولت السجالات الكلامية والمشاحنات السياسية بين روسيا والغرب إلى عمل عنيف أريقت على أثره دماء آلاف من المدنيين خلال ساعات أو على الاكثر خلال 48 ساعة مع قصف مواقع مدينة كثيرة في جورجيا واوسيتيا والتأسيس لبؤرة صراع عسكري قد لا تندمل في الاجل القصير ، ولتعود منطقة القوقاز إلى اتون الازمة بسبب اطماع حدودية وتطلعات انفصالية وما يختفي تحت المطالب الظاهرة من اسباب ومسببات غير معلنة اهمها بالطبع ذلك الصراع المحتدم بين روسيا من جهة وبين اوروبا والولايات المتحدة من جهة اخرى حول ملف الدرع الصاروخية والملف النووي الايراني .

ومن اهم معالم الازمة الجديدة انها شكلت بداية النهاية لحديث السلام الذي روج له بعض المحللين الغربيين في ظل القطب الواحد ، ومن الواضح من رد الفعل الروسي العنيف على هجوم قوات جورجيا على عاصمة اوسيتيا الجنوبية ان روسيا ترغب في التأسيس لصورة جديدة في ذهن الغرب تختلف عن الصورة التي ترسخت في اعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات من القرن الماضي . ولو ان القوى الغربية سعت بهدوء وروية وحنكة دبلوماسية إلى تقدير التحولات على المسرح السياسي والاقتصادي في روسيا لما كان ثمة حاجة إلى تحريض جورجيا على اتخاذ اعمال عدائية ضد منطقة تراها روسيا حيوية لمصالحها ، كذلك من المعالم المهمة للصراع الجديد انه كرس مفهوم الهجوم الساحق على مرافق مدنية كوسيلة للضغط العسكري على متخذ القرار ، وقد تراجعت جورجيا بالفعل حيث دعا الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي نظيره الروسي إلى وقف اطلاق النار ، بعد تصاعد الخسائر ودخول ابخازيا على مسرح المعارك التي اتسعت بشكل لم يكن في حسبان جورجيا التي تشجعت بالحديث عن قرب قبولها في حلف شمال الاطلسي وربما اعتقدت ان تورطها في عمل عسكري مع روسيا سيدفع الناتو والولايات المتحدة على وجه الخصوص إلى الوقوف إلى جانبها بحزم وهو الامر الذي لم يحدث ، فكيف لحلف يعاني خسائر في افغانستان والعراق على هذا المستوى ان يفتح على نفسه جبهة جديدة في شمال القوقاز ؟

مرة اخرى نعود إلى النصيحة السابقة وهي تروي الساسة الذين يضعون تصورات سياسية لمكتسبات محتملة بواسطة التحركات العسكرية ، ثم يغرقون هم وبلادهم وشعوبهم في عواقب وخيمة .

ولأن شعوب الشرق الاوسط عانت طويلا من عواقب هذه المغامرات العشوائية ، خاصة تلك التي اقترفتها اسرائيل في هجماتها على سوريا بحجة وجود مفاعل نووي وعلى لبنان بحجة ابعاد خطر حزب الله وفي الاراضي الفلسطينية بحجة تقليص اخطار حركة حماس ، إلى غير ذلك من ذرائع ، لذلك تبدو النصيحة متوالية وواجبة مجددا حيث ينبغي تجديد الدعوة لقادة المجتمع الدولي ان يكونوا اكثر تعقلا وعدم تشجيع قوى صغيرة إلى خوض مغامرات عسكرية غير مأمونة العواقب ، وها هي روسيا ترتب للبقاء العسكري طويل الاجل في الاراضي الجورجية ليضاف بذلك صفحات معاناة جديدة للمدنيين في بقعة من العالم نعمت بهدوء نسبي لفترة من الزمن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وها هي تعود إلى التفجر من جديد .