جورجيا على خط نار يماثل أزمة الصواريخ في كوبا، فنزاعها ليس فقط بين أقليات روسية استوطنتها وتحاول الانضمام للدولة الأكبر من الإقليم الأصغر، وإنما النزاع خرج عن سكة الحديد القصيرة إلى بُعد أكبر بين حلف الأطلسي الذي جلب قواته إليها، وبين دولة عظمى تريد حماية مجالها الحيوي وحدودها، ومن هنا جاءت أزمة (أوسيتيا) الجنوبية موضع النزاع بين الدولة الحاضنة الأم، وبين الجار الأكبر والمدرع بثاني قوة عالمية..
قد تكون الذرائع للحرب الجارية هي الدفاع عن الجالية الروسية وقوات الحماية التي أعطتها اتفاقية ثنائية بين البلدين حق التواجد في جورجيا، والذرائع بين خصمين غير متعادلين يمكن أن تخلقها أي ظروف طارئة أو مفتعلة، وربما جاءت الحرب لخلق واقع جديد، وفي نفس الوقت إنذار للقوات الأمريكية، وحلف الأطلسي أن الحدود الروسية خط أحمر أمام أي تصرف ما..
هذا الواقع لا يرمز فقط لحالة كسر عظم بين الشرق والغرب ميدانه بلد صغير تتنازعه ظروف داخلية حادة، وإنما حين تتصرف القوى الكبرى، فهي لا ترى من النور الخافت في النفق إلاّ صورتها وأهدافها، وقد جرت حرب (الفوكلاند) لهذا الغرض، واحتُلت العراق وأفغانستان لأسباب لا تتفق ومنطق الشرعية الدولية، وحتى دارفور التي مزقت الكثير من القوانين لاستهداف السودان وجر رئيسها إلى الاعتقال والمحاكمة، هي نموذج لصراع أكبر من الإقليم وحتى من السودان..
العبرة هنا ليست بما جرى، ويجري، لكن علينا أن نتعلم الدروس في منطقتنا الحساسة والمضطربة، فكركوك مثلاً دخلت موضوع الجدل الساخن في إبقائها عراقية، أو ضمها لكردستان العراق، ولو حدث الضم، فلتركيا ذرائع قد تجعلها تفتح جبهة عسكرية أكبر من حربها الطويلة مع الحزب الكردستاني، لأن هذا الإلحاق يعني نواة تشكيل الدولة الكردية، وهو ما تعتبره مصيرياً في المحافظة على وحدتها من التفكك، وتحت هذه الذرائع يمكن أن تتدخل عسكرياً لحماية التركمان بينما الغاية والاستراتيجية العليا تعنيان رفض تشكيل نواة تلك الدولة..
نموذج البحرين أيام الشاه، أيضاً يتطابق مع تلك الحوادث عندما حاول ضمها بالقوة لإيران، والدول الخليجية الراهنة التي تعج بعدة جنسيات من الأكثرية الهندية والباكستانية، والإيرانية، قد تجعلها غير آمنة في حالة تطبيق تلك النماذج، سواء بحماية أقلياتها أو نفوذ ملاّكها للعقارات والأموال عند أي طارئ جديد، وهذا ما حذرنا منه في العديد من المقالات وهي مسألة لا تقبل التلاعب بمصير بلدان تحت ذرائع الإقامة الطويلة، أو المنافع الاقتصادية الآنية، وهي الدول التي لا تملك جيشاً ولا حتى جهازاً أمنياً يغطي الخلل السكاني بين تلك الفئات، والمواطنين الأصليين..
نموذج جورجيا يجب إحضاره على مائدة الحوار لمجلس التعاون الخليجي وحتى بوجود فوارق ما بين الجغرافيا، ومنبت النزاعات لكنها تظل صورة حية عندما تتواجد أقليات تحميها دول كبرى، وقبل أن يحدث ذلك، أو يتم إعداد خطط لتواجد أساطيل تلك الدول لحماية مواطنيها علينا أن ندق جرس الإنذار قبل أن تحل الكارثة..
