«الحرب والمجتمع» من الموضوعات المثيرة في العلوم الإنسانية، وخلال القرن العشرين ظهرت دراسات غربية عديدة تتناول هذه القضية، وخاصة بعد اشتعال حربين عالميتين ضاريتين تركتا بصمات واضحة في الغرب على المجتمعات وأخلاق الناس، بل على النتاج الفني والأدبي والفلسفي.

وفي هاتين الحربين حدثت عمليات إبادة واسعة واستخدمت القنبلة الذرية للمرة الأولى، ولم تحدث عمليات اغتصاب جماعي رغم شراسة المعارك واتساع الجبهات.

وإذا كانت عسكرة الدولة في العالم العربي قد حظيت بقدر من الاهتمام النسبي، فإن صلة هذه العسكرة بالعلاقات الاجتماعية لم تزل قضية لا تحظى بالقدر الذي تستحقه من الاهتمام. والنذير الذي يحمله بعض ما ينشر في صفحات الجريمة في الصحافة العربية، يعد مؤشرا على تغير نوعي يستحق الاكتراث والقلق، ولعل أخطر هذه التغيرات النوعية جرائم التنكيل الجنسي.

والتنكيل الجنسي صفحة من تاريخ الحقب البدائية من تاريخ المجتمعات البشرية، عندما كانت الحرب عملية استباحة شاملة لا تفرقة فيها بين المدنيين والعسكريين، ولا مجال فيها لاستثناء أي فئة من «العدو».

ودائما كان وضع تشريعات لإضفاء مزيد من الإنسانية على لحظة الصراع، تعبيرا عن رغبة الإنسانية في الارتقاء الأخلاقي، من حقوق الأسرى إلى حماية المدنيين إلى تحريم أنواع من الأسلحة الفتاكة..

وصولا إلى التضييق الشديد في القانون الدولي على حسم الخلافات بين الدول باستخدام القوة العسكرية. كل هذه التغيرات كانت تعبيرا عن «قلق أخلاقي» متزايد بشأن حدود ما يجوز وما لا يجوز في العلاقات بين الدول.

لكن التغير لم يكن في اتجاه واحد، فكانت هناك في المقابل عودة بغيضة لسلاح «التنكيل الجنسي» في الحروب الأهلية، وكان الصراع في البلقان بداية هذا الانفجار الذي لم يتوقف حتى الآن. وقد وصف وزير خارجية ألمانيا في شهادة له على كارثة مسلمي البلقان هذه الاستراتيجية قائلا: «أطلق النار على رأس رجل، وحز عنق التالي له بسكين، واغتصب زوجته، واحرق المنزل، والباقون سيلوذون بالفرار، وهذه أكثر الاستراتيجيات بدائية» (1/4/1999).

وفي غواتيمالا كان الاغتصاب الجماعي للنساء من السكان الأصليين، جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحكومة لمكافحة التمرد خلال الحرب الأهلية، كما شهدت صراعات إفريقية عديدة عمليات اغتصاب جماعي كوسيلة لكسر إرادة الخصم، في اعتداء جسيم على كل القيم الإنسانية.

وهو ما سجلته منظمات حقوقية دولية لفتت نظرها الظاهرة فأصدرت عددا من التقارير بهذا الخصوص. وحسب أحد هذه التقارير يقصد بالعنف الجنسي ضد النساء، إظهار النصر على رجال المجموعة الأخرى الذين فشلوا في حماية نسائهم، فهو رسالة يُعنى بها إخصاء المجموعة المعادية وتجريدها من الرجولة. إنه معركة بين الرجال تُخاض فوق أجساد النساء!

وعززت التطورات الأخيرة في مجال القانون الدولي، الآليات القانونية لمكافحة أشكال التعذيب الخاصة بالنوع الجنسي في الصراعات المسلحة، سواء ارتكبتها الحكومات أم الجماعات المسلحة.

وقد دفعتني ملاحظة تكرار حدوث جرائم تنكيل جنسي في صفحات الحوادث، إلى العودة لأرشيفي لأستعيد تقريرا نشرته جريدة الحياة اللندنية (تقرير للمراسل جميل روفائيل 8/6/2002)، يكشف عن تحول الاغتصاب إلى ظاهرة اجتماعية داخل المجتمع الواحد، وكانت قمة المأساة في كرواتيا حيث تفشى «اغتصاب المحارم»!

إن العنف الاجتماعي لا يقل خطرا عن الحروب، لأنه يشيع أخلاق استباحة لا قيود عليها. والحالة الأخلاقية للمجتمعات ليست من الترف بحيث يصمت المتخصصون في العلوم الإنسانية إزاء مثل هذه الظواهر، فمن العوامل الرئيسة التي ساعدت الغرب على أن يتعافى بسرعة من آثار الحربين العالميتين أن كلمة العلم كانت دائما مسموعة.

والمثقف الحقيقي هو الذي يستطيع أن يتنبأ بالخطر القادم قبل أن يدهم أمته، والذي لا يطغى اهتمامه بالمخاطر القادمة من الخارج على اكتراثه لما يحدث في الداخل من تغيرات. وتغييب كلمة العلم لحساب خطاب تسطيحي يركز على القضايا الآنية ويتبنى جدول أعمال يفتقر إلى التوازن، خطر على وعينا ومستقبلنا معا.

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com