يأتي الانقلاب العسكري الأحدث في موريتانيا، ليذكرنا بأن شر ما ابتليت وتبتلى به دول العالم الثالث هو الظاهرة الانقلابية.

لكن لماذا تحدث الانقلابات؟ التدبير الانقلابي يكون عادة ضد نظام ديمقراطي تعددي يكفل حريات التعبير وحريات النشاط التنظيمي الحزبي. ويتهيأ المناخ الملائم للعمل الانقلابي عندما تهتز هيبة النظام الديمقراطي.

هذه ليست بطبيعة الحال إجابة كاملة، فالسؤال يبقى بشكل آخر: ما الذي يجعل هيبة النظام الديمقراطي التعددي تهتز في المكان الأول؟

المسؤولية في هذا الصدد تقع على عاتق القيادات الحزبية نفسها بالدرجة الأولى. ما أن يصل حزب أغلبية أو ائتلاف حزبي إلى السلطة حتى يشرع في تنفيذ أجندة ذاتية، غايتها خدمة المصالح الحزبية والشخصية، بهدف الإثراء الذاتي بوسائل غير مشروعة.

وليس معنى ذلك أن القيادات الحزبية الأخرى على صعيد المعارضة تبقى بريئة وطاهرة. فهي تمارس نشاطها لا بوحي من المصالح الوطنية العليا، وإنما من أجل الفوز بالسلطة حتى تحقق بدورها أجندتها الخاصة في مجالات الكسب غير المشروع.

وحتى على الصعيد الشعبي العريض لا يمكن إعفاء منظمات المجتمع المدني، كالنقابات المهنية والعمالية، من المسؤولية بسبب سوء استغلالها لحريات التعبير والتنظيم التي يتضمنها أي دستور ديمقراطي.. فتتوالى الإضرابات التي تؤدي إلى شلل في أداء الاقتصاد الوطني.

هكذا يتشارك الجميع في هز هيبة النظام الديمقراطي. ومع استشراء الفساد السلطوي الحزبي، وبالتالي انعزال القيادات الحزبية عن قواعدها الشعبية، تزهد الفئات الجماهيرية في النظام الديمقراطي.. فلا تكترث لحمايته.. بل وترحب بأي «تغيير» حتى على حساب الدستور الديمقراطي.

وهذا هو الظرف الذي تتحين نضوجه المجموعات الانقلابية في الجيش للتحرك. يبدأ الأمر بفكرة ثم يتطور إلى مشروع منظم للاستيلاء على السلطة عنوة.

وهكذا تدخل البلاد مرحلة جديدة من الفساد المنهجي المدعوم بقوة استبدادية مسلحة.

opinion@albayan.ae