رحل الاتحاد السوفييتي منذ قرابة العقدين وترك وراءه إرثاً ثقيلاً من الخلافات والتوترات المتشعبة التي تطل برأسها كلما اشتدت الأمور على المجموعات العرقية المتنوعة التي تتعايش في منطقة القوقاز في ظل حالة استقطاب وتجاذبات تحمل في طياتها أجندات سياسية متضاربة. بدأت في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان وانتقلت عدواها إلى الشيشان وإقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الانفصاليين في جورجيا.
تورطت في تلك الأزمات دول المنطقة والقوى العالمية الكبرى التي سعت جاهدة إلى أن تغمس بأصابعها في أزمات القوقاز التي لطالما اصطلح المسؤولون الأميركيون على تسميتها غير مرة بـ «خليج القرن الحادي والعشرين» لما تحويه من احتياطي نفط هائل. إذاً تبدو الأمور أكثر وكأنها صراع بين فريقين متنافسين يحمل الأول هوى شرقياً.
والآخر ذو رؤى غربية تحلق به بعيداً عن ذكريات «الأخ الأكبر» السوفييتي ليتخذ هذا النزاع توجهات مختلفة بسبب اختلاف طبائع ورغبات الشخصيات التي تديره لتبدو المنطقة وكأنها في قلب لعبة شد وجذب يدفع المدنيون دائماً ثمنها الباهظ.
ولا ينسى هنا التأثير غير المباشر لأزمات البلقان، خاصة التطورات الأخيرة في إقليم كوسوفو، من جهة التشابه الكبير في استراتيجية الموقع الجغرافي والتعدد العرقي والحساسيات التاريخية التي بنيت في معظمها على اضطهاد عرق لآخر. إن التطورات المؤسفة التي حدثت في إقليم أوسيتيا الجنوبية .
والتي تهدد بالانتقال إلى مناطق مجاورة للإقليم تفرض على الأطراف المعنية ضرورة الوصول إلى صيغ حلول تنفس حالة الاحتقان وتثبت خطأ المقولة الشائعة التي لطالما رددها سياسيو المنطقة بأنهم يحلمون بالحروب كل خمس سنوات، بدلاً من بقاء بؤرتي صراع مرشحتين لمزيد من التصعيد الإقليمي والدولي، وذلك بإتاحة أطراف النزاع الفرصة لتدخل أممي برعاية الأمم المتحدة يمارس دوره المنوط به في إعادة الفرقاء إلى طاولة الحوار التي لا بديل عنها، لإنهاء أي أزمة يمكن لها أن تعترض استقرار وسلام تلك المنطقة الحيوية من العالم.
إن آخر ما يحتاجه عالمنا اليوم هو تفجر أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المتتابعة التي أرهقت مجهودات دول العالم ومقدراتها التي باتت الآن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التركيز على مسيرة التنمية والتطوير بدلاً من الدخول في صراعات هامشية لا طائل منها.
