جاء حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية 2008 أمس في بكين بمثابة رسالة صينية الى العالم مؤداها ان الصينيين قادمون.

فالنظام والتنظيم والإبهار والتكنولوجيا والدقة والأمن والثقة بالنفس وغير ذلك من كثير، شاهده وعاشه على الطبيعة 91 من قادة العالم وعبر شاشات التلفزة المليارات من سكان الكرة الأرضية الذين ادخلت الصين البهجة الى نفوسهم من خلال رسالة سلام عبّرت عنها معظم فقرات الحفل، الا ان الرسالة الحقيقية أقوى من ذلك بكثير.

فالصين ذلك البلد الاكثر سكانا في العالم والرابع من حيث القوة الاقتصادية اصبح - بل يجب - ان يكون أنموذجا يحتذى في العمل والاجتهاد والاعتماد على الذات وتحديد الهدف وأهمية الوصول اليه في عالم أصبحت فيه القوة الاقتصادية وأيضا القوة العسكرية متلازمتين، إلا أن هذا كان يتطلب تخطيطا مسبقا اقترن لدى الصينيين ببعض الانغلاق على وأمام العالم قبل ان تخرج من القمقم لتعلن ليس بالتصريح وإنما بالفعل عن حضور قوي ينافس الامبراطوريات الكبرى.

فقد غزت الصناعات الصينية قرى العالم قبل مدنه وغزت التكنولوجيا الصينية بيوتات الكرة الأرضية شرقا وغربا ـــ شمالا وجنوبا، وأخذ العالم يتابع ويشاهد ويصفق لهذه الأعجوبة التي فرضت نفسها في فترة زمنية دللت على ان شيئا ليس مستحيلا اذا كانت هناك النية الصادقة، واذا كانت الحرب على الفساد سوف تكون حربا حقيقية وليست مجرد شعارات.

فقد تحمل الصينيون انتقادات من كل فج عميق لسياساتهم الداخلية والخارجية وما زالوا يتحملون وذلك لأنهم رأوا انهم يحققون ما يريدون، فلا سبيل اذن الى تضييع الوقت في المهاترات والفوضى، كما تحملوا التلويح بعقوبات من هنا ومواجهات من هناك، إلا أن احدا لم يعتد عليهم الانفعال والانجرار وراء مثل تلك المشاحنات حتى في أحلك أوقات الأزمات الصعبة.

وفي الوقت نفسه لم تكن هناك تبعية صينية لأي من القوى المطروحة على الساحة، كما لم يكن الصينيون بحاجة الى من يملي عليهم ارادة غير ارادتهم بل دائما ما كانوا يقاومون محاولات من هذا القبيل.

انها حقا مفخرة جعلت أنظار العالم تتجه الى ذلك الاستاد العجيب المسمى (عش الطائر) بالعاصمة بكين أمس، وكل تلك الأنظار على يقين من انها سوف ترى كل ما هو غير مألوف من تسخير للعلم في خدمة الرسالة الصينية التي وضح تماما على وجوه قادة العالم المشاركين انها وصلت بالفعل.

وصلت رسالة المارد دون زرع الخوف والرعب في نفوس البشر من ان هناك غزوا قادما او ان هناك عقوبات في الطريق.

ووصلت رسالة المارد والعالم يهلل ويشجع بدلا من ان يخرج في مسيرات تنديد ومظاهرات شجب واستنكار.

ووصلت رسالة المارد دون ان تجوب بوارجه المحيطات وأساطيله البحار في اصرار على اخضاع الآخرين.

بل وقبل وصول تلك الرسالة كان المارد قد فرض نفسه على كل شيء في حياتنا بدءا من القلم كاتب هذه السطور ومرورا بطبق الطعام وانتهاء وليس آخر بما نرتدي من ثياب .. وعلينا فقط ان نتعلم ونعي الرسالة.