هل في مصر من ينكر الحرية غير المسبوقة للإعلام المصري بوسائله القديمة والحديثة ؟ نعم هناك قلة قليلة تنكر ذلك, وهذه القلة تتمثل في أولئك الذين يمارسون بكامل الحرية أشد أنواع النقد إضرارا وإيلاما للمجتمع المصري, ويتباكون علي حرية الصحافة التي استنزفوها حتي فقدت معناها ومغزاها, ونشروا اليأس والإحباط ومازالوا ينشرونهما.
ويرون الحرية مساحة خاصة بهم يفعلون بها ما يشاءون ولايمنحون غيرهم أي حق لنقد ما يكتبون, ولم تقف حريتهم عند حدود حرية الآخرين, بل استباحوها, ونصبوا أنفسهم أوصياء علي المجتمع وجعلوا أنفسهم فوق النقد, واغتالوا حق المجتمع في أن تكون حرية التعبير منارة تضيء الطريق للجميع, ورافدا يدعم قدراتهم علي التصحيح والتطوير, وراحوا يتربصون بكل قلم يشير إلي إنجاز هنا أو مبدع هناك. ورأوا في كل كلمة حق تقال احتفاء وتكريما لعمل إيجابي نفاقا, وفي كل تحية لمصري أو مصرية تزييفا وبهتانا.
ولو أن مصر هي التي يكتبون عنها لكانت اليوم أثرا بعد عين. ولكن مصر مازالت باقية بجهد الرجال وعرق الشرفاء, تنشر النماء والبناء في كل ربوعها وتشهد كل يوم علي وحشية الكذب الذي يقولونه.
لقد عرفنا حرية الصحافة شرقا وغربا, حاضرا وتاريخا, وعرفنا كيف تبني حرية التعبير الأمم, وتدفع بقدرات المجتمع خطوات هائلة إلي الأمام, فتزرع الأمل وتشحذ الهمم وتفجر طاقات البناء والتعمير, وتسدد المسير, أما ما نجده اليوم بيننا ونحن نخوض أشرس المعارك التي يمكن أن تخوضها الشعوب ضد الفقر والعوز, فهو شيء مختلف, أوركسترا متكامل من العازفين لايعزفون بأقلامهم وأصواتهم سوي لحن جنائزي ينذر باقتراب الموت ولحظة الفناء, فكل شيء في أرضنا خراب, وكل من يعيش فيها فاسد أو مرتش يمارس الفساد أو ينتظره.
وكأن الذي تحقق ويتحقق في بلادنا من صنيعة القوي الخفية التي هبطت علي البلاد في الظلام فأهدتنا آلاف المصانع وملايين الأفدنة وشيدت المستشفيات والمدارس واقتحمت الصحراء ومدت الطرق والجسور وهيأت لهم أن يكتبوا ما يريدون تشويشا وتشويها, فأي حرية تلك. ومن أي قاموس جاءت معانيها ؟.
وبرغم كل تلك المحاولات فإن صحافتنا مازالت قادرة علي القيام بدورها تنويرا وتعليما وتنمية في المجتمع, لولا تلك الفئة التي اعتادت ملاحقة العقل المصري عبر الصحف وقنوات التلفزيون التي تعمل وفق حسابات خارجية. ولذلك كثرت انتقاداتهم لجموع الصحفيين الشرفاء الذين يقفون اليوم سدا منيعا أمام محاولات الوصول بالوجدان المصري إلي حافة الانهيار.
فمنذ نحو عام كان الصحفيون جميعا قد اقتربوا كثيرا من التوافق علي حقيقة أن الصحافة تواجه أزمة, ودار الحوار حول آليات إنقاذ تلك المهنة التي لايستطيع أي مجتمع في عالم اليوم أن يحيا بدونها. وجاءت انتخابات نقابة الصحفيين واشتد الحوار حول تفعيل ميثاق الشرف الصحفي, ووضع آليات تنبع من الصحفيين أنفسهم لضبط ممارسات المهنة. وفي تلك الفترة توافق المجتمع أيضا مع الصحفيين علي ضرورة وضع حد لتلك الممارسات المخزية التي تنال من مكانة الصحافة وأمن المجتمع. ولكن الأيام مرت خالية من أي محاولة جادة.
وبعد فترة من الهدوء النسبي عادت بعض الصحف وبعض الأقلام لتلك الممارسات دون اكتراث بتجربة الأمس القريب, واشتدت الإثارة علي حساب الحقيقة فكادت المهنية تضيع وتفقد تلك الصحف ما بقي لها من مصداقية, كما امتدت تأثيراتها لتشوه وجه صحافة التيار السائد التي تعبر بصدق عما يجري في المجتمع سلبا بلا تهويل, وإيجابا بلا مبالغة.
إن نظرة واحدة علي مانشيتات هذه الصحف وعناوين مقالاتها كافية لأن يخشي القراء علي مصر الأخطار, فكأنها صحف تصدر عشية الحرب العالمية الثانية أو صبيحة اليوم التالي لإلقاء القنبلة الذرية علي هيروشيما.. عبارات اختلط فيها الرأي بالخبر لتضليل القراء ومقالات اجتهد أصحابها في إهالة التراب علي كل ناجح وعلي كل إنجاز.
وظلت تلك الصحف سنوات تندد بأوضاع الطرق والفوضي المرورية, حتي إذا صدر قانون المرور الجديد في محاولة لإعادة الانضباط وتحقيق النظام لم تستشعر تلك الصحف شيئا من المسئولية بالتوعية ودعم الجهود وحث المواطن علي احترام القانون
وأفردت صفحات للمتضررين من القانون ممن اعتادوا الفوضي وإزهاق أرواح الأبرياء علي الطرقات, وتحول القانون في كتاباتهم إلي نكتة ومجال للسخرية والتنديد بقسوة الحكومة في الغرامات التي جاء بها القانون الجديد. وهكذا تتعامل تلك الصحف مع قضايانا العامة. بافتعال الأزمات وتضخيم بعض جوانبها, وإخفاء الكثير من الحقائق المتعلقة بها. ولايجد القارئ نفسه إلا في مواجهة أحداث غابت عنها حقائق كثيرة فلم يعد قادرا علي فهم ما يجري من حوله.
صحافة راغبة في استثارة الغضب العام والتشكيك في القضاء
ومن يتابع ما تكتبه تلك الصحف عن الحكم في قضية العبارة لايجد سوي صحافة راغبة في استثارة الغضب العام والتشكيك في القضاء, وتجديد أحزان أهالي الضحايا ونشر اليأس من كل شيء, وكان النائب العام أسرع من هؤلاء جميعا إلي الطعن علي الحكم الذي صدر وفق الإجراءات القضائية المتبعة, ومعني ذلك أن القضية لم تنته بعد, ولكنهم نصبوا انفسهم قضاة وأصدروا أحكامهم ويريدون حشد الجميع وراءهم.
والشيء نفسه في قضية الحكم علي الدكتور سعد الدين إبراهيم, ففيها محاولة أخري للتشكيك في القضاء وتسييس مالا يقبل التسييس.
والغريب أن من يشككون اليوم في القضاء المصري هم أنفسهم الذين أثاروا الدنيا حينما جاءت التعديلات الدستورية بتطوير الإشراف القضائي علي الانتخابات حماية لمكانة وسمعة القضاة الأجلاء, واشتد عويلهم وصراخهم دفاعا عن الإشراف القضائي بصيغته القديمة استنادا إلي أن وجود القضاة في تفاصيل الانتخابات هو الضمان الوحيد لنزاهة الانتخابات.
ولكنهم اليوم يتنكرون لذلك ويكيلون الاتهامات للقضاء في قضيتي العبارة و سعد الدين إبراهيم, وأصبح ما يريدون واضحا للجميع, فهم يهدفون إلي الإثارة لترويج بضاعتهم الصحفية التي لاتزيد مكوناتها علي أقاويل مرسلة واتهامات بغير دليل وعبارات ساخنة لاتزيد وعيا ولاتقدم معلومة مؤكدة.
القضايا المدنية العادية تلقي تضخيما هائلا
ومشكلة تلك الصحافة في مصر أنها أصبحت مصدرا خصبا لكل ما هو سلبي عن مصر لقوي خارجية, أصبح هدفها زعزعة الاستقرار في تلك القوة الإقليمية المؤثرة التي ترفض الانصياع لإرادة تلك القوي الخارجية, وأصبح يسعد تلك الصحف كثيرا أن تستشهد بها تقارير خارجية أو ترددها تصريحات ساسة في الخارج أو تنقل عنها وسائل إعلام أجنبية.
وهي لاتدرك أنها تستخدم اليوم كحصان طروادة ورأس حربة لتلك القوي التي تتربص بمصر, وأنها ليست لتلك القوي مصدر ثقة واعتبار بحال من الأحوال.ومن أكثر الأمثلة وضوحا ما يتعلق بالعلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر.
فالقضايا المدنية العادية تلقي تضخيما وتحريفا هائلا, لتتحول إلي قضية فتنة تتلقفها قوي في الخارج, تقتات علي مثل تلك القضايا, والكثير مما جاءت به فيالق الاسترزاق في الخارج من حديث حول الخلاف في منطقة دير أبو فانا كان مستمدا بكامله من كتابات صحفية, سطرتها أقلام لم تدرك في حمي الإثارة الصحفية كيف يتم تسويق ما تكتبه في سوق متعطشة للنيل من الاستقرار في مصر؟
انظروا ماذا حدث في جوانتانامو!
ولقد وفرت جرأة بعض الأقلام علي أحكام القضاء مادة جيدة لأصوات في الخارج للتدخل في شئوننا الداخلية.ففي قضية سعد الدين إبراهيم خرج علينا المتحدث باسم الخارجية الأمريكية معربا عن خيبة أمل بلاده بسبب الحكم بإدانة من سماه المتحدث المدافع عن الديمقراطية.
وقال' إن الدعاوي القضائية يجب ألا تكون وسيلة للنيل من مبادئ حرية التعبير', ومثل هذه التصريحات جديرة بالإهمال, لأن من نطقوا بها أكثر الناس معرفة بالمغالطات التي يقعون فيها, ولو أن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مد بصره صوب جوانتانامو وما جري ويجري فيها لعرف فضيلة الصمت.
ولو أنه استمع إلي صوت أمريكي آخر صدر عن وزارة الدفاع الأمريكية لكان عليه أن يعتذر عما قاله بشأن الحكم علي سعد الدين إبراهيم. إن المتحدث باسم البنتاجون قال عنه لن يتم الإفراج عن سائق بن لادن الذي يخضع لمحاكمة عسكرية, إذا جاء قرار المحلفين في هذه المحاكمة بتبرئته, وأنه سيبقي محتجزا في جوانتانامو نظرا لما يمثله من مخاطر.
فأي مقارنة تجوز بين هذه وتلك؟.. أما ما نقل عن السفيرة الأمريكية في القاهرة تعليقا علي نفس القضية فهو أمر مختلف. فالسفيرة المقيمة في القاهرة منذ شهرين
كان عليها أن تتريث قليلا لتفهم الأرض والشعب والدولة التي تمثل بلادها فيها وألا تجرفها كتابات بعض الصحف إلي التورط في تصريحات لاتنطوي علي القدر الكافي من الدبلوماسية اللازمة لها في بداية عملها, وعليها أن تكون مصدرا صحيحا لرؤسائها في الخارجية الأمريكية بشأن كل ما يجري في مصر. فمصر أكبر وأعمق كثيرا من ذلك الصراخ الذي تمتلئ به صفحات تلك الصحف التي تعاني نوعا من الهوس السياسي والدروشة الثقافية.
إن الصورة في مصر الآن تزداد وضوحا وقوة, اقتصاد ينمو, وسياسة تتطور, ودولة قادرة علي لجم ارتفاع الأسعار في الخارج, وتأثيراته في الداخل, ومساعدة مواطنيها علي تجاوز أزمة عالمية حادة, بل وتواصل عملية الإصلاح الشامل وتطبيق القوانين في سباق لا يبدو مشروعا بين عناصر الهدم وتحقيق الاستقرار والتطور وأخماد عناصر الفتنة التي تطل برءوسها من مجالات عديدة, سواء كانت فتنة دينية أو متطرفين أو إرهابيين أو من يستخدمون الدين في السياسة, أو حتي فتنة طائفية بين عنصري الأمة أو مستخدمي الإعلام للهدم وتقويض أركان الاستقرار.
ولكن يبدو أن القوة الكامنة في مجتمعنا قادرة علي اليقظة وحشد طاقتها لمواجهة كل هذه العناصر المجتمعة, ووضعها في حجمها الصحيح, بل وحصارها وتقديمها للمحاكمة لتهيئة المناخ أمام الاستقرار والتطور والتحديث, وإقامة دولة مستقرة وتهيئة المناخ للتطور والتقدم بلا خوف من متآمرين صغار في الداخل, يستفيدون من مناخ عالمي ينزع للفوضي والهدم لمساعدة قوة عالمية فقدت رشدها واندفعت للحروب في غير مكانها فزاد الاضطراب العالمي, وزعزعت الاستقرار الإقليمي, وتريد أن تهدم ما تبقي من الدولة المركزية القوية المحورية في مصر حتي تتمزق كل المنطقة, وتكون مهيأة لخدمة مصالح تلك القوة العالمية المسيطرة ضد المصالح المشروعة لشعوبنا في البقاء والاستقرار والتطور.
لكن الوعي الشعبي والوطني سوف يحاصر المتآمرين الصغار في الداخل حتي يتمكن من الاستمرار في وضع مصر في مكانها الإقليمي والعالمي الذي تستحقه, ومحاصرة قوي الفوضي والاضطراب القادمة من الخارج, التي تحاول التسلل والاستفادة من مناخ الحرية والتطور الذي تهيئه عمليات الإصلاح والتغيير السياسي والاقتصادي التي تحدث في مصر الآن.
