طلب لويس مورينو أوكامبو المدعي الأرجنتيني في المحكمة الجنائية الدولية، من المحكمة إصدار مذكرة في حق الرئيس السوداني. ويأتي هذا الطلب بعد ثلاثة أعوام من قيام المحكمة بتكليفه بالتحقيق في الأحداث التي وقعت في إقليم دارفور في السودان. وشملت قائمة الاتهامات، التي غطت فترة الأعوام الخمسة من عام 2003 وإلى الآن، على عشر تهم هي: ثلاث تهم إبادة جماعية، وخمس تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتهمتا ارتكاب جرائم قتل.

ويعتبر اتهام الرئيس السوداني السابقة الأولى من نوعها التي يتم فيها اتهام رئيس دولة لا يزال في منصبه من قبل المحكمة الجنائية الدولية. كما تضمنت قائمة اتهامات أوكامبو الشروع في خطة لإبادة ثلاث قبائل محلية في دارفور، وهي الفور والمساليت والزغاوة، والتي ثارت على الحكومة متهمة إياها بتهميش هذه القبائل من خلال قبائل أخرى يطلق عليها اسم الجنجويد، وخلفت النزاعات في دارفور نحو 5ر2 مليون نازح. وكان وصف المدعي أوكامبو لما حدث على أنه تم بدوافع سياسية.

تقول الشواهد التاريخية إن إقليم دارفور يشهد تراجعا في التطور والتنمية وتوترا بين مجموعات مختلفة من البدو الرحل والمزارعين، ناجم عن الصراع على الموارد الطبيعية الشحيحة في الإقليم منذ زمن طويل. ولقد أولت الإدارة البريطانية والحكومات السودانية المتعاقبة اهتماما ضئيلا لتحقيق التنمية في دارفور، وقام البدو الرحل باقتحام أراضي المزارعين لإطعام ماشيتهم، نظرا لأن المنطقة تشهد أزمة حادة متمثلة في نقص المياه الذي تفاقم بسبب الجفاف والتصحر، الأمر الذي أدى إلى تشريد عدة مجموعات بحثا عن الطعام، وقد حدث كل هذا في وقت يشهد فيه السودان عددا من التطورات السياسية والاقتصادية.

إن التحرك الأخير الذي قام به المدعي أوكامبو يثير تساؤلا حول ما إذا كان هذا التحرك سيدفع إلى المزيد من زعزعة استقرار السودان، وتقويض كافة الجهود الجارية لإحلال السلام في هذا البلد، ومدى الشكوك حول سلامته من الناحية القانونية؟

وفي 17 من شهر مارس عام 2006، أصبح توماس لوبانغا، الزعيم السابق لاتحاد ميليشيات الكونغوليين في إيتوري، أول شخص يتم إلقاء القبض عليه بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وكان المتهم الأول الذي من المقرر أن يخضع للمحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية. وتم إصدار مذكرة اعتقال مختومة وسرية بحقه في 10 فبراير 2006 بتهمة ارتكابه جريمة الحرب المتمثلة في تجنيد الأطفال.

وكان من المقرر أن تبدأ محاكمة لوبانغا في 23 يونيو عام 2008، ولكنها توقفت في 13 يونيو عندما قضت المحكمة بأن رفض المدعي العام الكشف عن بعض المعلومات التي قد تظهر إدانة لوبانغا، يعتبر انتهاكا لحق المتهم في محاكمة عادلة. وتنص الفقرة الثانية من المادة 67 من النظام الأساسي للمحكمة على أنه يتوجب على المدعي أن يظهر لهيئة الدفاع الأدلة التي لديه ويُعتقد أنها قد تظهر إدانة المتهم، والأدلة التي تم اتهامه بها أو الشواهد التي قد تؤثر على مصداقية الأدلة المقدمة من قبل هيئة الادعاء، ويتوجب على المحكمة الفصل في هذه المسألة في حال حدوث شيء من هذا القبيل.

وبحسب المادة 77 من قواعد الإجراءات والأدلة فإنه يتوجب على المدعي العام، ووفقا لقواعد تقييد الكشف عن الأدلة على النحو المنصوص عليه في النظام الأساسي وفي القاعدتين 81 و82، أن يسمح للدفاع بفحص أية كتب أو مستندات أو صور أو أشياء مادية أخرى في حوزة المدعي أو تحت إمرته، والتي تعتبر مواد ضرورية لتحضير الدفاع عن المتهم أو مواد يعتزم المدعي استخدامها كأدلة في جلسات المحكمة والتي تم الحصول عليها.

وفي حالة لوبانغا هذه، فقد حصل المدعي على الأدلة من منظمة الأمم المتحدة، ومن مصادر أخرى بناء على شرط السرية التامة، ولكن القضاة حكموا بأن المدعي العام قد طبق بشكل خاطئ الأحكام ذات الصلة في نظام روما الأساسي، ونتيجة لذلك فقد تجزأت المحاكمة إلى درجة أنه أصبح من المستحيل الآن تجميع العناصر المكونة لمحاكمة عادلة للمتهم. وبناء على ذلك فإن لوبانغا من المرجح أن يتم إطلاق سراحه.

وهنا يرد إلى ذهننا تساؤل مفاده: هل يعتبر فشل المدعي في محاولته الأولى الدافع الرئيسي وراء انتقاله إلى قضية أخرى؟ وهل مثل هذه البدايات مشجعة للمحكمة الجنائية الدولية؟

وفي الحالة التي تقدم بها المدعي أوكامبو تجاه الرئيس السوداني، نجد أن الشهود والأدلة التي استند عليها مصادرها من خارج السودان. وفي هذه الحالة فإن إشارات المدعي أوكامبو في ادعائه والشهود والأدلة، تفتقر للنزول إلى المكان الذي تمت فيه الأحداث التي بنى عليها الادعاء إجراءاته.

والتساؤل من الناحية القانونية ما إذا كان من الضروري الاستناد إلى الشهود من المكان الذي وقع فيه الحدث، وأليس من الضروري أن تتم معاينة منطقة الأحداث؟ وكم تعتبر زيارة إقليم دارفور قبل تقديم الادعاء ضرورية من الناحية القانونية؟ وباختصار، فإن الأدلة المقدمة من جانب هيئة الادعاء مبنية على أسس الاستماع لشهادات خارجية، خاصة وأنه لم تقم أي لجنة تحقيق تابعة للمحكمة الجنائية الدولية بزيارة المنطقة.

إن وسائل الإعلام يقع على عاتقها دور كبير لتوجيه الرأي العام المنقسم حول هذه المسألة. ويستفسر العديد من القانونيين حول ما إذا كان هذا التحرك قانونيا؟ وإلى أي مدى نستطيع أن نتأكد من أن هذا الأمر لا يجري تسييسه ويبقى في إطاره القانوني؟

لقد كانت هناك، ومنذ إنشاء الأمم المتحدة في القرن الماضي واعتماد ميثاقها، رؤية وتطلع إلى إنشاء محكمة جنائية دولية للدفاع عن حقوق الإنسان. وفي 17 يوليو 1998 تم اعتماد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بنتيجة تصويت كانت 120 دولة موافقة وسبع دول معارضة.

فيما امتنعت 21 دولة عن التصويت. ودخل نظام روما الأساسي حيز التطبيق في الأول من يوليو عام 2002. ويبقى أن مثل هذه الحالات والقضايا التي تتناولها المحكمة الجنائية الدولية، سوف تثير العديد من الأسئلة حول مدى توفيق هذه المحكمة الدولية في بداياتها؟

سياسي يمني

a_wahish@yahoo.com