الشعور بالصدمة والاشمئزاز من قتال الإخوة الأعداء المتصارعين على السلطة الوهمية في فلسطين، يتحول إلى شعور بالعار مع مشهد شباب فلسطينيين هاربين من القتل على يد الشقيق الفلسطيني، ليجبره جنود الاحتلال الإسرائيلي على الوقوف عارياً إلا مما يستر عورته، معصوب العينين مقيد اليدين، لتقبل عبوره إلى داخل إسرائيل لتلقي العلاج أو اللجوء إلى الضفة الغربية! لكن المأساة تكتمل عندي وأنا أتابع تعليقات المسؤولين من قادة الإخوة الأعداء على ما حدث!

يا الله.. من أين جاءوا بكل هذا البرود، وكأنهم يتحدثون عن قضية خارجية! وكأن العار الذي عشناه لم يمر في خاطرهم، وكأن القتال الذي دار كان في أدغال إفريقيا، وكأن الضحايا الذين سقطوا ليسوا الأشقاء والأبناء والإخوة والأخوات!!

كنت أتصور أن تكون أمامهم جميعاً مهمة واحدة.. أن يعتذروا للشعب الذي أساءوا إليه، وللقضية التي اضروا بها. وأن يضمدوا الجراح ويعلنوا أن كل قطرة دم فلسطينية سالت في هذا القتال سيعاقب من أسالها، وأن تحقيقاً محايداً سيتم لتحديد المسؤولية، وأنه قد آن الأوان لإنهاء المأساة ووضع حد للاقتتال الداخلي، وحل الخلاف بما تقضي به أطراف العمل الوطني الفلسطيني أو الأطراف العربية.

لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وظهر الإخوة الأعداء على الفضائيات يتبادلون الاتهامات، ويدافعون عن مواقف لا يمكن الدفاع عنها. لا أحد يخجل مما حدث، ولا أحد يندم على ما فعل، ولا أحد يعزي الشعب الفلسطيني على نكبته الجديدة، ولا أحد يرفع عنا وعن نفسه عار تحويل أشرف القضايا إلى قتال بائس بين ميليشيات هزمت نفسها حين حولت بنادقها من صدور العدو إلى صدور الإخوة.. مهما كانت الأسباب!

وهنا تتأكد الكارثة.. فقد كنا قبل ذلك نتحدث عن حرمة الدم الفلسطيني على السلاح الفلسطيني، ثم حدث الاقتتال الداخلي وحاولنا إقناع أنفسنا بأننا أمام لحظة استثنائية سيعود العقل بعدها لكل الأطراف، ويخضع الجميع للمبادئ التي حكمت النضال الفلسطيني على مدى تاريخه. الآن يصدمنا الإخوة الأعداء بأن الاقتتال الداخلي هو القاعدة، وأن تصفية الآخر هو منتهى الجهاد، وأن المقاومة هي ضد باقي الفصائل، وأن التفاوض ليس لاستعادة الأرض السليبة، بل لتعزيز المواقع في الصراع على سلطة وهمية..

أما العدو الحقيقي فله التهدئة في غزة والتفاوض العقيم في رام الله، وله أن يقتل منا من يشاء ثم نعطيه الفرصة لتجميل وجهه القبيح.. فهو لا يفعل إلا ما يفعله الإخوة الفلسطينيون الأعداء بأنفسهم وبوطنهم، وهو الذي يلجأ إليه الهاربون من الموت على يد الأشقاء!

والمصيبة الأخرى أن الإخوة الأعداء يتعاملون مع شعبهم المجاهد وكأنه شعب من البلهاء!! فبعد كل كارثة وطنية يتم ارتكابها كما حدث في غزة أخيرا، يعود الحديث عن ضرورة الحوار الوطني، ويستمر التأكيد على أن الصراع هو صراع مبدئي وليس صراعا على النفوذ والسلطة!!

لقد كنت أحد المتفائلين بفوز الإخوة في حماس في الانتخابات التشريعية، وكنت أتصور أننا أمام فرصة لتمتين الوحدة الوطنية الفلسطينية، وأن سقوط فتح سيدفعها لتصحيح أوضاعها، ودخول حماس إلى السلطة سيعيد ضبط الأمور ويساهم في جعل الموقف الفلسطيني أكثر صلابة في مواجهة العدو.

وكنت أرى منذ بداية التجربة أن يتم تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى المسائل التنفيذية، وأن ينتقل مركز الثقل الحقيقي إلى قيادة سياسية تمثل جبهة وطنية عريضة بقيادة فتح وحماس، ريثما تتم عملية إعادة تنظيم منظمة التحرير الفلسطينية. وكان هذا الوضع يتيح للسلطة التنفيذية أن تؤدي عملها، ويضع في يد حماس سلطة المراقبة من خلال المجلس التشريعي، ويلزم الجميع ـ من خلال الجبهة الموحدة ـ ببرنامج للعمل الوطني لا يستطيع أحد الخروج عنه.

وها قد جرى ما جرى، وانتهي الأمر إلى المأساة الفلسطينية الجديدة.. وانفصال يترسخ يوما بعد يوم بين غزة والضفة، واقتتال داخلي مطلوب منا ومن الشعب الفلسطيني أن نعتبره القاعدة التي لا نشعر بالخجل أمامها، وحديث وهمي عن التمسك بالوحدة الوطنية التي يجري العدوان عليها يوميا، وفريق يقول إنه يقاوم، وفريق يقول إنه يفاوض..

بينما الحقيقة أنه لا أحد يقاوم كما ينبغي، ولا أحد يفاوض كما يجب.. والنتيجة تهدئة مع العدو في غزة، ومباحثات لن تؤدي إلى شيء في رام الله.. بينما العدو لا يضيع وقتاً، فيمضي في تهويد القدس والتهام الضفة.

أما الشعب المجاهد في فلسطين فعليه أن يكفن الشهداء من ضحايا العدو الإسرائيلي ومن ضحايا قتال الإخوة الأعداء في وقت واحد، وأن يبحث ـ ونبحث معه ـ وسط حصار الجوع وسقوط القيادات وعجز العرب وصمت العالم، عن بداية جديدة تكون صفحتها الأولى أن يشعر الإخوة الأعداء بالعار، وأن يطلبوا من شعبهم المغفرة، ثم يتركوا الصفحات التالية لمن يستوعب الدرس ويستعيد للنضال الفلسطيني وحدته الغائبة، وللسلاح الفلسطيني شرفه المهان.

كاتب مصري

elsadattt@hotmail.com