ما نشهده في النظام الدولي السائد الآن، هو شيء أشبه بألاعيب السيرك، وما يصدر بعد انتهاء الحرب الباردة وهيمنة وحيد القرن من قرارات تهدد السلم والأمن الدولي بدلا من أن تحفظه، بات أقرب لمسرح العبث أو اللامعقول، وما يلقيه بعض ساسته من تصريحات واتهامات لمن يرفضون الخضوع والابتزاز، يبدو أقرب للنكات السمجة التي لا تضحك بقدر ما تبكي على الحال المتردي الذي وصلت إليه السياسة وبعض الساسة، في ظل اختلال موازين العدالة بهيمنة الكبار وتبعية الصغار!

فبعدما أصبحت القوة هي القانون، والدولار هو الأيديولوجية، والشاري لبعض المستعدين للبيع في العالم العربي، سواء من نخبه السياسية أو الثقافية، ليرددوا اتهاماته ويبثوا أغراضه ويسوقوا مشاريعه في دكاكين صغيرة تحت لافتات نبيلة بكل العناوين الجذابة، فهذا دكان أصدقاء الحرية وأنصار الديمقراطية وحراس حقوق الإنسان، بينما هي في معظمها وكالات للخدمات لتسويق الأجندة الصهيو أميركية الشرق أوسطية المقررة..

ومتخفية بغطاء الدعوة للتنوير والتحديث والدمقرطة، بينما تجري محاولات خارجية مدفوعة الأجر باسم دعم منظمات المجتمع المدني، للتضليل والتدليس وللاستقواء بالخارج على أوطانها بالتبرير للغزو والاحتلال الأجنبي وبقلب الحقائق، فإذا بالاحتلال تحريرا والأمركة تحديثا وتنويرا والتدمير تعميرا، وإذا المقاوم إرهابيا وإذا الإرهابي رجل سلام، وإذا البريء متهما والمتهم بريئا، وإذا الأشرار أخيارا والأحرار أشرارا!

إن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود الشر وإنما في قابلية بعض الخيرين لأن يتبعوا خطوات الأشرار، ولا في وجود الباطل وإنما في تخاذل أهل الحق عن كشف أضاليل الباطل، ولا في وجود الظلم وإنما في مهادنة أو مداهنة بعض أنصار العدل للظلم والظالمين لقاء مال أو شهرة أو منصب، والتقاعس عن مقاومته.

وموازين الحق والعدل، ومعايير الخير والشر، وحدود الحلال والحرام، مازالت رغم تلبيس الحقائق بالأكاذيب ورغم محاولات خلط الأوراق، ثابتة ومعلومة بالضرورة لكل مثقف وسياسي. والفارق بين الانحراف الخطأ، وبين الاجتهاد الصائب والاجتهاد الخاطئ، واضح وبين بالطبيعة لكل باحث عن الحقائق، ولكل مدقق لإثبات البراءة والإدانة، وعمن هو القاتل ومن الضحية، ومن هو المجرم ومن البريء.

ولن تجدي محاولات إدانة الضحايا أو تبرئة المجرمين المحتلين أوطان الشعوب والمشعلين الفتن لتقسيمها، واقتتال أبنائها، وهم ينهبون ثرواتها، ويحولون مواطنيها إلى لاجئين، وهو ما تشهد عليه في فلسطين وأفغانستان والعراق ولبنان والصومال والسودان، جرائم الإبادة الجماعية الحقيقية، وجرائم الحرب البشعة والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحروب العدوانية لقهر إرادة الشعوب وتهديد وحدة وسلامة الأوطان..

بينما المجرمون الكبار الملطخ تاريخهم بدماء الشعوب معروفون لكل الشعوب، والضحايا الأبرياء الساعون لاستقلال ووحدة وتنمية أوطانهم يبقون هم الشرفاء رغم أية أخطاء، ولن تجدي محاولات تزييف الصور بالبروباجندا الاستعمارية العالية الضجيج وأدواتها، مهما تسترت قوى الاستكبار وأزلامها بدعاوى العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية، في تزييف وعي الشعوب، لأن شعوبهم قبل شعوبنا هي التي كشفت كذبهم وفسادهم وعدوانهم وظلمهم.

إن هؤلاء المدعين الكاذبين الفاسدين والمعتدين الظالمين، هم المجرمون الحقيقيون ضد الإنسانية، وهم آخر من يحق لهم توزيع شهادات الإدانة والبراءة على العرب والمسلمين، لأنهم في النهاية هم الأكبر جرما في حق كل العرب وكل المسلمين.. وليس معنى ذلك أننا أبرياء أو بلا أخطاء.. ولو في حق أنفسنا!!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com