«سلام أليكم» يبادرك بها البنغالي المسكين وأنت تقف عند إشارات المرور في كل أرجاء الكويت تقريباً، حيث يقوم بعمله اليومي وهو كنس الطرقات. وسلامه هذا في ظاهره التحية وفي باطنه الرجاء، أو بالأحرى الاستجداء المهذب.
ونحمد الله أن قلوب أهل البلد رحيمة، فهي تحن على هؤلاء المساكين بمئة فلس، عادة تكون موجودة في «طفاية السجائر» بالسيارة لاستخدامها في دفع رسوم المواقف العامة. وتعتبر العمالة البنغالية أدنى شريحة من الطبقة العاملة، وأقلها في حصولها على رواتبها بانتظام رغم ضآلة هذه الرواتب. والكثير من هذه العمالة تشتغل في قطاع التنظيف، الذي نلاحظ أن شركاته من بين أبرز الشركات الناجحة والتي تحقق أرباحاً في قطاع الخدمات!
طفح الكيل ببعض هذه العمالة قبل مدة، فقامت أعداد كبيرة منها بالتوقف عن العمل معلنة إضراباً للمطالبة بحقوقها المشروعة، وبوقف الاستغلال البشع الذي تتعرض له دون أن يحرك أحد ساكناً. فالحكومة بأجهزتها الرقابية كانت تغمض العين عن الممارسات المعيبة التي تقوم بها الشركات، وأعضاء مجلس الأمة بجميع توجهاتهم لا تعنيهم هذه المسألة، لأن هؤلاء ليست لهم أصوات انتخابية!!
وتبرم هؤلاء وغضبهم يأتي في المقام الأول من أن الشركات تتفق معهم على راتب معين (بعد أن يكونوا قد قدموا دماء قلوبهم في بلدهم للمجيء إلى الكويت)، وحينما يصل هؤلاء إلى الكويت تضعهم أمام الأمر الواقع: إما القبول براتب مخفض وشروط عمل قاسية، أو تعويض الشركة بتكاليف جلبهم!
فيسقط في يده البنغالي المسكين (شأن كثير من العمالة) ويقبل الواقع بكل مرارته! بعض هؤلاء المضربين الذين قابلهم مندوب جريدة الوطن (21/7)، أشاروا إلى أن الشركة التي يعملون لديها قد اتفقت معهم على 40 ديناراً شهرياً وأصبحت تدفع لهم 18 ديناراً، وهم رغم قبولهم بهذا الراتب المجحف أصلاً إلا أن الشركة تؤخر صرفه لشهور عديدة!
أصبح العمال البنغال هذه الأيام (وبعد أن توالت إضراباتهم وأخذت منحنى عنيفاً) موضع نقمة من السلطات التي بادرت إلى حملة تسفير طالت كل المتزعمين للإضرابات والمحرضين عليها ومن شاركوا في أعمال الشغب. وحتى قبل موجة الإضرابات الأخيرة كانت السلطات ـ كما هو شائع بين الكويتيين ـ تتشدد في منح تأشيرات الدخول لهذه الجنسية بالتحديد.
وذلك لشيوع الجريمة والخروج على القانون في أوساطها. ولعل التحركات الأخيرة ودوافعها تبين لنا الحالة التي يعيشها هؤلاء، وتوضح العوامل التي تدفعهم إلى الجريمة ومخالفة القانون، فكما يقول المثل: إذا عرف السبب بطل العجب! فأوضاعهم المزرية هي مرتع خصب لكل أنواع الانحراف!!
وحسناً فعلت الحكومة الكويتية حينما تحركت لاستيعاب الموضوع ووضع حل له، فقد أقرت حداً أدنى لأجور عمال النظافة بأربعين ديناراً، ولعمال الحراسة سبعين ديناراً كراتب شهري. وثمة محاولات حكومية جادة لمراقبة تنفيذ التعاقدات التي تبرمها الشركات الجالبة للعمالة مع عمالها، مع التركيز على تحسين ظروف عملها، والتضييق على المتاجرين بالبشر الذين تسببوا في تشكيل ظاهرة »العمالة الزائدة عن الحاجة« وأغلبها من العمالة الهامشية.
ولعل نمط حياة الأسرة الكويتية بات يشجع استفحال بروز ظاهرة العمالة الهامشية، بما تحمل من مشكلات اجتماعية تئن بها مخافر الكويت ومحاكمها. والأمثلة تفوق العد والإحصاء، خذوا حالة جار لي مثالاً، فهو حمسيني متقاعد، وزوجته أصغر منه قليلاُ ومتقاعدة أيضاً، ولهما ثلاثة أبناء: بنتان وولد، اثنان من هؤلاء الأبناء الثلاثة لكل واحد منهما سيارته الخاصة.
بقيت أختهما دون سيارة لأن سنها أصغر من أن يؤهلها للقيادة. تخيلوا أن هذه العائلة عندها سائق، وللمصادفة البحتة فهو من بنغلادش! وهذا السائق ليس هو الوحيد عند هذه العائلة، بل إن لها خادمتين آسيويتين بالطبع!!
ترى، ما ذا يفعل هؤلاء لأسرة صغيرة كأسرة صاحبنا وأمثالها بالألوف في الكويت؟! هل هذه الأسرة وأمثالها بحاجة إلى سائق وخادمتين؟ ولماذا لا يتحمل الأب أو الأم والإخوة الكبار بعض المسؤوليات المنزلية بحيث يكونون في غنى عن السائق وإحدى الخادمتين؟!
هذه هي حال الكثير من الأسر الكويتية، عمالة زائدة عن الحاجة الحقيقية، مبرر وجودها رخصها وسهولة استقدامها وحالة الترف التي تعيشها الأسرة الكويتية إلى درجة أن أفرادها يترفعون عن القيام بأي عمل من الأعمال المنزلية!!
لهذا لا نتعجب أن نرى أن ثمة مليوناً من العمالة الآسيوية في البلاد، وهم يضاهون المواطنين عدداً ـــ والغالب فيها العمالة الهامشية ـ أكثر من نصفها من الجنسية الهندية، وربعها من بنغلادش والربع الآخر يتوزع على الجنسيات الباكستانية والفلبينية والسريلانكية والاندونيسية، والكثير من هؤلاء إما خدم أو سائقون في البيوت أو عمال نظافة.
إن ما مرت به الكويت في الأيام الأخيرة من إضرابات عمالية، لدرس للدولة والمجتمع بوجوب حل المسائل المتعلقة بالطبقة العاملة، وعلى رأسها تنفيذ العقود المبرمة بين شركات العمالة وعمالها، ثم معرفة حاجة البلاد الفعلية للعمالة.
بحيث يتم التقليل من العمالة الهامشية، دون أن تكون هذه دعوة »لقطع الأرزاق«، بل هي بالأحرى دعوة إلى الابتعاد عن الإسراف والتبذير، ولتنظيم حياتنا بشكل فعال ومنتج، مع الاستفادة من الطاقات الوطنية المعطلة.
كاتب كويتي