الجميع يتطلّعون اليوم صوب الصين، والجميع يتحدثون عن الصين، والجميع يحلمون بـ»التكريم« في الصين.

قيل الكثير من الكلام »السيئ« بحقّ اللجنة الأولمبية الدولية عندما اختارت بكين، العاصمة الصينية، من أجل تنظيم الألعاب الأولمبية لهذه السنة، ولم يتردد البعض في وصف قرارها »المشؤوم« أنه كان »خطيئة« وليس مجرّد »خطأ«.

لكن ذلك كلّه لم يكن سوى »كلاماً بكلام«، كما تقول أغنية شهيرة للمطربة الفرنسية ـ المصرية داليدا. فمع نشر هذه الكلمات ستكون آلة الألعاب الأولمبية قد انطلقت، وسيكون آلاف الرياضيين يتأهبون لخوض غمار المباريات لمدة ثلاثة أسابيع، وهم يأملون بالذهب والفضّة أو على الأقل بالبرونز.

الصين العملاقة قد تكون أكثر المناطق جهلا بها بالنسبة لبقية بلدان العالم الأخرى، ولا شك أن الألعاب الأولمبية ستكون مناسبة »من ذهب« من أجل التعريف بها و»تطبيع« صورتها على الصعيد العالمي.

يكفي للتأكّد من هذا مشاهدة ما تبثّه تلفزيونات العالم كلّه، حيث تحتل التحقيقات عن الصين »الشاشات«، بما في ذلك الشاشات العربية هذه المرّة التي تعرض كل أنواع التحقيقات وأكثرها دقّة وجرأة، فالأمر لا يحتاج إلى وقفة طويلة طالما أنه يتعلّق بـ»الصين«. بل والملفت للانتباه في هذا السياق هو أن التلفزيونات الغربية هي التي »تتأنّى« بحثا عن »مسلب« أو »نقيصة« أو »تشوش« في صورة الصين، كي تقوم بإبراز ذلك في تحقيقاتها. وفجأة تبدو التلفزيونات العربية هنا أكثر موضوعية بنقل الواقع.. واقع »الصين« بالطبع.

وسائل الإعلام الغربية كثرت فيها في الأيام التي سبقت انطلاق الألعاب الأولمبية في بكين، تعليقات من نوع »تتمتع السلطات الصينية بالتأكيد بخبرة عالية في الرقابة والتخويف والزجر، لكنها لا تستطيع أن تخبئ كل شيء«، أو مثل القول إن الألعاب الأولمبية فرصة لـ»النفوذ إلى ما وراء سور الصين«.

بالطبع لا تنسى التعليقات والمقالات والتحليلات التذكير بكل مناسبة، وبدون مناسبة، بـ»القمع« الذي يواجهه التيبت، وبالتالي المطالبة بـ»حريته«.. ومن الملفت للانتباه مرّة أخرى أن الكثير من رجال الإعلام والسياسة الغربيين، يطالبون بمنح التيبت مساحة من الحريّة تتجاوز ما يطالب به الدالاي لاما نفسه.

في المقابل، تحاول السلطات الصينية أن تقدّم صورة أخرى عن بلادها.. صورة »حضارية«، على غرار تلك التي يبدو فيها رئيس وزرائها وهو يلعب مع فريق لكرة السلّة الصيني ويسدد كرة صائبة بـ»ثلاث نقاط«.. أو وهو يمارس ببراعة كرة الطاولة مع أحد نجوم هذه اللعبة الشعبية الأخرى في الصين. إن الصين، كما يقدّمها أصحاب القرار فيها، هي ورشة للبناء فيها ما اكتمل أو ما هو في طريقه إلى الاكتمال. الصين التي يراد لها أن تبدو كرمز حقيقي للنهوض.

هكذا إذن بدأت المنافسات »على أرض السياسة« قبل أن تبدأ على »أرض الملاعب«. وإذا كانت الميداليات على الملعب الأول ـ أي السياسة ـ تّقاس بما يتحقق على صعيد تحسين الصورة أو »تعتيمها«، فلا شك أن الصين قد كسبت »ميداليتها« الأولى قبل أن تبدأ الألعاب نفسها. صحيح أن قيمتها رمزية، مثل جميع الميداليات أصلا، ولكن قد تكون لها قيمتها »الواقعية« غدا في »بورصة« العلاقات الدولية. في كل الحالات ما يمكن تأكيده هو أن علاقة الصين بالعالم وعلاقة العالم بالصين، لن تكون بعد الألعاب هي نفسها كما كانت قبلها.

»مأزق« ـ إن لم تكن »معضلة« ـ القوى الغربية الكبرى مع الصين، هو أنها لا تريد الذهاب بعيدا في »تبييض وجه الصين« أمام العالم. فهذه البلاد ذات الـ1.3 مليار نسمة، الناهضة الصاعدة الواعدة بالذهاب إلى أبعد وأعلى، هي في واقع الأمر المنافس الحقيقي الذي يلوح في الأفق القريب كـ»قوة عظمى« ثانية بعد، وفي مواجهة، الولايات المتحدة الأميركية.

ثمّ إن هذه القوى الغربية نفسها ليست قادرة على تجاهل أمّة فيها هذا الكمّ الكبير من المستهلكين. فالمصلحة الاقتصادية تعلو »ولا يعلو عليها شيء« في حسابات الدول، هذا خاصّة إذا كانت قوانين السوق الليبرالية هي صاحبة الكلمة العليا في العولمة السائدة.

صحيح أن انجيلا ميركل المستشارة الألمانية، وغوردن براون رئيس الوزراء البريطاني، قررا عدم حضور ـ إذا لم يستجد طارئ جديد ـ حفل افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين، لكنهما سيكونان »ممثًلين« بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من موقع أن فرنسا تترأس الاتحاد الأوروبي حتى نهاية العام. هذا مع الإشارة إلى أن العلاقات الفرنسية ـ الصينية هي »الأكثر تشوشا« في أجواء علاقات الصين مع الغرب، منذ مرور الشعلة الأولمبية »المشوّش هو الآخر« في باريس، ولم يلطّف الأجواء إصرار الرئيس ساركوزي على استقبال الدالاي لاما وما جلبه ذلك من »غضب« صيني.

ومع حضور الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ـ كما هو مقررـ على المنصّة الرئيسية إلى جانب القادة الصينيين، سيكون البون شاسعا بالمقارنة مع ما كانت قد عرفته منصّة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980 ومنصّتها في لوس أنجلوس عام 1984، حيث كانت قائمة »المقاطعات« طويلة في الحالتين.

يبقى الغائب الأكبر عن الانتباه في هذه الألعاب الأولمبية ليس سوى الذين يُفترض أنها تعنيهم أولا وأساسا. إنهم الرياضيون الأولمبيون أنفسهم، هؤلاء يأتي دورهم لاحقا في أعقاب السياسيين، وحيث سيتم »توظيف« هذا الدور والميداليات المحتملة لصالح السياسة. هكذا لم يخفِ القادة الصينيون أن هدفهم هو أن »يحصدوا« عددا من الميداليات الرياضية يفوق ما سوف تحصل عليه الولايات المتحدة الأميركية.. ولكن مع التأكيد على أن يتم ذلك بـ»روح رياضية«.

في المحصّلة قد تكون هذه الألعاب الأولمبية أفضل مرآة تعكس صورة العلاقات الدولية في بداية هذا القرن الحادي والعشرين.. علاقات يصوغها ميزان قوى دولي لم تكن الصين فيه خلال القرن الماضي سوى »وزن ثانوي«، في ظل رجحان قوتين عظميين واستقطاب ثنائي دولي ساد لعقود طويلة بين معسكرين. أمّا اليوم فقد غدت الصين هي »بيضة القبّان«، حسب تعبير شعبي شائع، التي تميل الأوزان معها »أنّى تميل«.

هناك جملة شهيرة قالها منظّر الحرب الغربي الأكبر كلاوزفتز وجاء فيها »الحرب هي متابعة السياسة بوسائل أخرى«. ولعلّ الألعاب الأولمبية في بكين تجيز القول إن »الرياضة هي متابعة السياسة بوسائل أخرى«.

mohaklouf@yahoo.fr