في خطوته الأخيرة، أدار أيهود أولمرت عجلة الحراكات السياسية الإسرائيلية الداخلية في اتجاه باغت به المراقبين السياسيين، عندما قرر الإحجام عن المشاركة في الانتخابات الداخلية لحزب «كاديما» التي ستجري في 17 سبتمبر المقبل.

والمؤشرات التي تشي بأن إحجام أولمرت مسألة تقع في خانة اللعبة السياسية لنقل الكرة إلى ملعب المتصارعين وأصحاب الطموح، مؤشرات عديدة وقوية، منها ما يعتقده البعض من المراقبين من أن خطوة أولمرت هذه ليست سوى مناورة تكتيكية (وخطوة هروب إلى الأمام)، في مواجهة مجموعة الملفات التي باتت تلقى في وجهه كل يوم من قبل منافسيه وخصومه، وهي ملفات تتهمه بالفساد (ستة ملفات فساد)، وسط أنباء من أوساط النيابة العامة بأنها بصدد توجيه لائحة واحدة على الأقل ضده في غضون الأسابيع المقبلة.

كما تتهمه بالتقصير وانعدام الرؤية في جانب منها، كما هو حال تقرير لجنة فينوغراد بشأن الحرب التي شنت على لبنان صيف العام 2006، ومنها ما له علاقة بطبيعة العملية التنافسية التي يخوضها أولمرت في مواجهته منافسيه السياسيين داخل حزبه كاديما، وداخل الائتلاف الحاكم وتحديداً مع أيهود باراك، وصراعاته مع تيارات اليمين العقائدي الصهيوني بزعامة بنيامين نتانياهو.

وما يعزز الرأي الذي يقول بأن أولمرت بدا في خطوته الأخيرة سالكاً طريقاً براغماتياً احتوائياً، استمراره في تحدي خصومه ومنافسيه السياسيين داخل الائتلاف الحاكم وداخل حزبه (كاديما)، وإعلانه المتكرر عن انجازاته التي جاء بها منذ أن وصل إلى سدة رئاسة الوزارة، معدداً ما تركته بصماته وذهنيته السياسية، بدءا بما سماه «استعادة قدرات الردع لإسرائيل والهدوء على الحدود الشمالية، مروراً بانجازات اقتصادية واجتماعية، وانتهاء بمفاوضات سياسية على المسارين الفلسطيني والسوري»، حيث مارس ومازال لعبته المزدوجة.

فهو يطالب بالمفاوضات مع الفلسطينيين ومع سوريا، ولكنه أعطى الموافقة على بناء المزيد من المستوطنات الاستعمارية التهويدية وقدمها لجمهور المتطرفين اليهود، خصوصاً في منطقة القدس وأحيائها الشرقية كما فوق هضبة الجولان السورية المحتلة.

كذلك، فإن ما يشير إلى الدهاء الكامن وراء خطوته الإعلامية الأخيرة، أنه في خطوته أدخل مجموع الخريطة السياسية الإسرائيلية وحتى الأسابيع الستة المقبلة في أجواء مشاحنات وصراعات بانتظار نتائج انتخابات حزب «كاديما» وتشكيل حكومة جديدة، مع احتمالات تجميد الاتصالات السياسية على المسارين الفلسطيني والسوري، أو استمرارها كمفاوضات شكلية فقط.

وعليه، يخطئ من يقول بأن خطوة أولمرت تعني انسحابه من الحياة السياسية وتقاعده، فهو ليس غضا طري العود السياسي، وقليل الخبرة كما يقال، باعتباره جاء من خارج المؤسسة العسكرية، وبأنه لم يفلح في استخدام الأوراق المتوفرة بين يديه في صراعه السياسي داخل ائتلافه الحكومي وداخل الخارطة السياسية الإسرائيلية. فالوقائع تقول بأن اولمرت بات يتقن لعبة توازن القوى داخل إسرائيل، حيث يحاول الإبقاء على حضوره وفعله السياسي حتى لو خرج من قيادة كاديما ورئاسة الحكومة، عن طريق استخدام وتوظيف عدد كبير من موازين القوى داخل الساحة الإسرائيلية.

فقد استطاع أولمرت أن يستخدم وأن يضبط: أولاً توازن القوى داخل حزب «كاديما» وإثارة الهلع من خطر انهياره، وثانياً توازن القوى داخل الكنيست حيث يستخدم تحالفه مع وزير دفاعه الجنرال باراك كآلية لردع تزايد نفوذ نتانياهو وحزب الليكود وحلفائهما المتربصين لكل من أولمرت وباراك، وثالثاً الجمع بين توازن القوى داخل الكنيست وتوازن القوى داخل حزب كاديما، بحيث ربط بين الطرفين حيث أن أي تعديل في موازين القوى داخل أي طرف سيتردد صداه بما يؤثر سلباً في الطرف الآخر، ورابعاً توازن القوى في أوساط الرأي العام الإسرائيلي.

فقد أدرك أولمرت وحلفاؤه تماماً أن الرأي العام الإسرائيلي في الوقت الحالي أصبح في غير صالح كاديما والعمل، وقد استطاع أولمرت منذ فترة وما زال أن يوظف هذه الميزة في ردع المعارضين له داخل الحكومة وداخل حزب كاديما. وعليه، فإن أولمرت يراهن الآن على التطورات اللاحقة المتوقعة في الحراكات والصراعات السياسية داخل الخريطة الحزبية الإسرائيلية، ومراهناً في الوقت نفسه على إثبات براءته للجميع.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy