غيّبت المنية الأسبوع الماضي المخرج السينمائي العالمي المصري يوسف شاهين عن عمر يناهز 82 سنة. من خلال الفن السابع وطوال حياته الفنية، ناضل شاهين ضد الظلم والاستبداد والفساد والرشوة والتعذيب والتهميش، واستعرض مشكلات الشارع المصري والعربي، حيث اعتمد مدرسة سينمائية واقعية تعكس هموم الفئات المحرومة وانشغالاتها.

شاهين كان ذلك المثقف الثوري الواعي لدوره في التغيير الاجتماعي والسياسي. منهجه في العمل السينمائي كان يعتمد على الواقعية وتوظيف الفن في خدمة المحرومين والمهمشين. بالنسبة إليه البورجوازية والإقطاعية لا ترحم وتزيد الفقير فقراً والغني غنى، فلذلك كان طوال مشواره الفني ثائراً ومناضلاً ضد الوضع الراهن، وضد النظام الذي يفرز نفسه ويجتر آليات الاستغلال والاستبداد والظلم والفساد.

نظرته كانت ثاقبة هادفة لطرح الأسئلة واستقصاء الواقع وكشف المستور، وتحريك الرأي العام ليعي ما يدور في المجتمع ويفكر في المساهمة في التغيير من أجل التعلم من الأخطاء وإصلاح النظام، لتعم الرفاهية والطمأنينة والعدالة الاجتماعية المجتمع بأسره.

من خلال «المصير» و«الآخر» و«صلاح الدين» و«الأرض» و«العصفور» و«عودة الابن الضال» و«فجر يوم جديد»، عبر شاهين عن منهج الواقعية والسينما الملتزمة والهادفة، التي تنبع من الالتزام الأدبي والثقافي والفكري الذي كان يتحلى به، بعيداً عن الركض وراء المال والربح، وبعيداً عن صالونات السلطة وبلاط أصحاب النفوذ المالي والسياسي.

كان شاهين يؤمن بأن السينما هي رسالة قبل أن تكون أي شيء آخر. فهي وسيلة وفن لتنوير العقل وإفراز الأفكار، ومنبر لتبادل الآراء والنقاش والجدال من أجل مستقبل زاهر، ليس لمصر فقط وإنما لكل الأقطار العربية وللإنسانية جمعاء. شاهين كان يوظف السينما لفضح المكبوت والمتستر عليه، ولمجابهة الانتهازيين وأشباه المثقفين الذين كانوا يتملقون السلطة من خلال أعمالهم الفنية، حتى ينّظروا لتجاوزاتها وأخطائها وطرقها في الاستبداد والظلم والاستغلال، وتهميش المغلوب على أمرهم وهم غالبية المجتمع.

نصف قرن من الإبداع والإنتاج السينمائي ـ 41 فيلماً ـ أبدع من خلالها يوسف شاهين وتمرد على الوضع الراهن. ففي «صراع في الميناء» حارب شاهين الرأسمالية التي لا ترحم والتي تستغل المغلوب على أمرهم وتستعبدهم، رأسمالية تسودها الفوضى وانعدام القوانين والأخلاق والقيم والمبادئ. في فيلم «صراع في الوادي» عالج شاهين الإقطاع وآثاره السلبية على المجتمع، والآليات التي تزيد الغني غنى والفقير فقراً.

كما عالج شاهين الصراع العربي الصهيوني، وعبّر عن رفضه القاطع للتطبيع وللتعامل مع الكيان الصهيوني ما لم يسترجع الشعب الفلسطيني أرضه. كما حارب التطرف الديني من خلال «المصير» و«الآخر». وللفنان الراحل أفلام دخلت العالمية بالأداء والإبداع والتميز في معالجة القضايا المصيرية والحساسة، كـ «الأرض» و«العصفور». ومن المواضيع التي كان الراحل يحب الإبحار فيها ومناقشتها وطرحها من خلال أفلامه، الفساد في المجتمع بكل أشكاله، سواء كان اجتماعياً، سياسياً، اقتصادياً، ثقافياً، أو دينياً...الخ.

عملاق السينما العربية يوسف شاهين، قدم مدرسة جديدة في السينما العربية، واكتشف عدداً من الوجوه السينمائية البارزة عالمياً كعمر الشريف. يوسف شاهين اعتمد السينما الواقعية في عمله الفني والإبداعي، لإيمانه العميق بأن السينما هي رسالة، وهي فن في خدمة قضايا الأمة وفي تنوير الرأي العام، ومكافحة الفساد والاستبداد والتسلط، وليس التبرير والمدح والتسبيح والتملق. سينما أرادها شاهين تحرك الضمائر وتكشف المستور، وتقول لا للظلم والطغيان.

تميز شاهين ببعده العربي القومي، فمن خلال فيلم «جميلة الجزائرية» ـ الذي أخرجه سنة 1958، أي في أوج الثورة التحررية الجزائرية ـ أراد أن يعبر عن الشعور القومي والتضامن العربي مع الثورة الجزائرية. وبهذا يكون شاهين قد قدم ما عليه كمثقف ومبدع للثورة الجزائرية، حيث وظف كاميراته للتعريف بنضال شعب يريد استرجاع كرامته وسيادته.

ما تميز به يوسف شاهين، هو استعماله للتفوق التقني للسينما الأميركية ـ خريج أميركا ـ ووفاؤه للشارع المصري والعربي، من حيث تناول مشكلات وهموم وانشغالات الطبقة الفقيرة والمسحوقة في المجتمع. لقد ناضل شاهين حتى آخر لحظة من حياته من أجل مبادئه وأفكاره، وكان فيلم «هي فوضى» آخر العنقود، الذي استعرض من خلاله مظاهر الفساد والرشوة والتعذيب التي أصبحت منتشرة في المجتمع المصري.

في سنة 1997 كرم مهرجان «كان» السينمائي، وهو أحد أشهر وأكبر التجمعات السينمائية في العالم، يوسف شاهين بمنحه السعفة الذهبية عن مجمل أعماله. فقيد السينما العربية كان موسوعة فنية، يتقن عدة لغات ويتشبع بحس إبداعي وسينمائي وفني لا مثيل له، وبثقافة واسعة لا حدود لها. حياته كانت كلها نضالاً ضد الظلم والاستغلال والتهميش والفساد والرشوة والأمراض الاجتماعية.

رحل شاهين في وقت حرج جداً يمر به العالم العربي، الذي يحتاج إلى عشرات بل مئات من أمثال شاهين، للخروج بالسينما العربية من الغيبوبة والاحتضار والخمول ومشاهد الرقص والغناء وصالونات الفنادق خمس نجوم، إلى مخاطبة الشارع العربي الذي يتألم ويحتضر من الفساد والاستغلال والظلم والتعسف والاستبداد.

واقعية شاهين كانت تدفعه إلى انتهاج السينما الملتزمة الواقعية التي تستقصي هذا الوضع المتردي الذي يعيشه الشارع المصري والعربي، واقع بعد عقود من الاستقلال ومن برامج التنمية المتعددة ومن الشعارات والخطابات الرنانة، لم يغير شيئاً في حياة الفقير المسكين الذي لم تتغير أموره وأحواله.

عانى شاهين الكثير خلال مشواره الفني الذي يتجاوز الخمسين سنة، ومن أهم المشكلات التي واجهته انتقاداته اللاذعة والمستمرة للسلطة، ما كان يفرز دائماً مواقف مضادة لأعماله وإبداعاته. كما عانى الكثير في عملية تمويل أفلامه في غياب الرعاة والممولين الخواص. وهذا ما جعله يتجه إلى دول كالجزائر والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، للحصول على الميزانيات اللازمة لإنتاج أفلامه، التي بطبيعة الحال لم تكن ترضي السلطة ومن يلف في فلكها.

مدرسة سينمائية كاملة رحلت عن مصر والعالم العربي، مدرسة لأنها أنتجت ما يزيد على الثلاثين فيلماَ من بينها روائع عالمية، مدرسة ما أحوج العالم العربي إليها في فترة أقل ما يقال عنها إنها فترة الرداءة و«الشو بيز» والمركنتيلية السينمائية والثقافية والإعلامية، حيث يكون الشغل الشاغل لهذه الصناعات هو التسطيح والتهميش والاستهلاك لتحقيق أكبر قدر من الربح، على حساب الرسالة الهادفة والملتزمة.

كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae