يقف تمثال الحرية الرابض على جزيرة الحرية في مواجهة مدينة نيويورك الأميركية، شاهدا على حضور مظاهر الحرية وغياب مضمون الحرية والديمقراطية معا في الولايات المتحدة الأميركية، التي تقدم نفسها للعالم كنموذج لبلد الحريات والحامية لحمى الحرية والمقاتلة من أجل سيادة الديمقراطية، ليس في أميركا فقط ولكن في العالم كله.
بالأمس.. وقبل شن العدوان الأميركي على العراق اجتاحت موجة من المظاهرات المناهضة للحرب، تحت شعار «امنعوا الحرب» و«لا للدم مقابل النفط»، شوارع المدن الأميركية والأوروبية والعالمية بينما قمعت في البلاد العربية، ولم تسمع الإدارة الأميركية ولا البريطانية إلا صوت التحريض الصهيوني، وليس صوت الرأي العام الشعبي لا في بلديهما ولا في العالم، ولا احترمتا رفض الشرعية الدولية ممثلة في مجلس الأمن الدولي التفويض بالحرب، حتى أن كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة حينها قال يوم بدء الحرب على العراق «إنه يوم أسود في تاريخ المنظمة الدولية»!
وفي الذكرى الخامسة للعدوان العسكري الأنجلو أميركي على العراق، عمت المظاهرات أيضا العديد من المدن الأميركية في إدانة شعبية أميركية وأوروبية واضحة تطالب الإدارة الأميركية بسحب القوات من العراق فورا، وسار عشرات الآلاف من المتظاهرين في شوارع واشنطن، وافترشوا الأرض أمام البيت الأبيض وفي شوارع مانهاتن بنيويورك، في ما اعتبر أكبر تظاهرة مناهضة للحرب تشهدها نيويورك منذ بدء الحرب على العراق.. بينما لم يسمح لمظاهرة شعبية عربية لا ألفية ولا مئوية بالمرور في شوارع أي عاصمة عربية!
ومع كل ذلك لم يتوقف العدوان ولم تنسحب القوات المعتدية، ولم يسمع حكام البيت الأبيض لا صوت الشعب ولا صوت العالم، واندفعوا لطريق الحرب من أجل النفط وإسرائيل، منتهكين روح الحرية وجوهر الديمقراطية التي يتشدقون بها كشعارات جوفاء، أصبح لهم بها أصدقاء من السذج والبلهاء مصدقين أن الجيوش المعتدية الغازية تقتل وتدمر حرية الشعوب لتصنع الحرية، مستخفين بدماء أبناء شعبهم والشعوب المعتدى عليه ثمنا لهذا النفط، بينما يقف تمثال الحرية شاهدا على وأد الحرية وغياب الديمقراطية في بلاد الحرية!
واليوم.. نجد الصورة نفسها، حيث عمت المدن الأميركية المظاهرات الشعبية في خمسين مدينة أميركية، ونظم المتظاهرون قبل يومين تجمعا أمام البيت الأبيض. وشهدت مدن نيويورك وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس وميامي ودنفر تظاهرات في الشوارع والميادين الرئيسية، احتجاجا على خطط للعدوان العسكري على إيران، وحذر المتظاهرون من قيام إسرائيل بذلك الهجوم بالتنسيق مع الإدارة الأميركية بذريعة الحكاية النووية التي سبق أن خدعت بها الرأي العام الأميركي والعالمي لتبرير العدوان على العراق، لكنها ضبطت عارية في حالة تلبس بالكذب!
وبينما حذر الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية من شن الحرب على إيران لأنها «ستصيب العالم بكارثة وستحيل المنطقة إلى كرة من اللهب»، رفع المحتجون الأميركيون لافتات تقول «ليست الحرب باسمنا» و«يبدو أنه لا أحد يستمع لنا» و«أوقفوا السير نحو الحرب» ترفض الحرب ضد إيران، وتطالب الرئيس بوش بسحب قواته من العراق وأفغانستان.. فهل نقف صامتين مثل تمثال الحرية ونتفرج على ما يجرى، وكأن الأمر يعني أميركا وشعبها ولا يعنينا، بينما نحن من سيدفع الثمن؟!