لطالما كانت القضية الفلسطينية محوراً لتحركات الدول العربية السياسية لأكثر من خمسة عقود، والمنطلق المركزي الذي كانت تمر عبره علاقات الأمة بالغير وتركت أصداؤها أثراً بالغاً في ضمير العديد من السياسيين والمفكرين، حول العالم، واستطاعت أن تؤثر وتتأثر بمحيطها العربي والإقليمي وحتى الدولي، وتفرض نفسها على أجندات الدول الكبرى كفاعلٍ أساسي في قضايا العالم الحساسة، حتى وصلت إلى توقيع اتفاقات أوسلو، التي أكدت على حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه السليبة.
ولكن الوهن، الذي أصاب الجسم العربي في السنوات الأخيرة، ترك بالغ الأثر في ديناميكية هذا القضية العادلة، وسدد لها ضربات قاسية أثخنت جراحها، وكأن فيض المؤامرات التي كانت تحاك، هنا وهناك، على الشعب الفلسطيني لم تكن لتكفي هذا الشعب المظلوم، فابتلي الوطن العربي بأزمات جديدة مفتعلة، وصفت له في مطابخ السياسة الدولية.
فمن حرب الصومال الأهلية، التي تبدو وكأنها بلا نهاية، إلى أزمات السودان المتلاحقة في الجنوب ودارفور، مروراً بتوترات لبنان الطائفية، التي أكلت من مسيرة أعماره سنواتٍ طوالاً، وليس انتهاءً بحروب العراق والاحتلال الأميركي له منذ أكثر من سنواتٍ خمس.
كل هذه التطورات أثرت من دون شك على محورية القضية الفلسطينية في ظل غياب حلولٍ ودور فاعل للجامعة العربية ووسط انشغال الدول العربية بمشكلاتها الداخلية حتى وصلنا إلى تلك المرحلة المؤسفة من الاقتتال الداخلي، الذي نشهده بين فصائل الوطن الواحد.
لقد ووجهت تلك القضايا المثارة داخل أوطاننا بمهمة واضحة وسيناريوهات مكشوفة هدفها نزع القضية الفلسطينية من حضنها العربي وصولاً إلى الاستفراد بها وزرع بذور الانشقاق داخل الصف الواحد لخفض سقف المطالب المشروعة للمفاوض الفلسطيني.
أفلا يتنبه العرب، والحال كذلك، إلى ضرورة عودة القضية الفلسطينية إلى بريقها السابق من دون انتظار حلول دولية مجهولة قد تأتي أو لا تأتي. أو سرابٍ إقليمي يفضي إلى تفريغ تلك القضية من مضمونها؟
المطلوب إذن عودة العجلة العربية إلى الدوران من جديد لجمع مختلف الأطراف الفلسطينية إلى طاولة حوارٍ تنهي القضايا العالقة والخلافات المستجدة، التي مهما كبرت فإنها لا يجب أن تؤثر على الهدف الأسمى للنضال الفلسطيني، الذي لا يشك أحد بإخلاص تلك الأطراف في تحقيقه، وهو إنشاء دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى أرضهم المغتصبة.
