مع ان الاطراف التي يعنيها الحوار قد اغلقت آذانها عن سماع الدعوات التي تطلقها مختلف الجهات الفلسطينية والعربية للعودة الى الحوار الجاد والفعال من اجل الوحدة الوطنية المفقودة فان الواجب يقتضي كل مخلص للشعب الفلسطيني وقضيته ومستقبله على ارضه ان لا يتوقف عن تكرار هذه الدعوة فلعلها تصل في نهاية المطاف الى الفصيلين الكبيرين في قطاع غزة والضفة الغربية ويقتنعان بان لا مناص من الحوار وانه الطريقة الوحيدة لانهاء الانقسام والانفصال بين جناحي الوطن الواحد.
وليس من المتوقع ان تنتهي التجاوزات التي تقدم عليها حركة حماس في غزة وردود الفعل الفتحاوية على هذه التجاوزات في الضفة الغربية الا اذا احتكم الجانبان الى رأي الاغلبية الفلسطينية غير المسيسة التي لا تحمل السلاح ولا تؤمن بالعنف والتنظير الفئوي. هذه الاغلبية التي تعتبر الانتماء الى فلسطين والقضية الفلسطينية ومسيرة الشعب لتحقيق تطلعاته الوطنية وانهاءالاحتلال هي الاهداف المنطقية والتاريخية التي يجب التمسك بها دون سواها والتخلي عن الانتماءات الفرعية الا باعتبارها وسيلة للوصول الى الاستقلال الوطني وحرية الشعب وسيادته على ارض وطنه ومقدراته.
ان ما يحدث على ارض فلسطين من الصراعات الدامية التي تتفطر لها القلوب دليل على ان هذه الاطراف المتصارعة قد فقدت البوصلة الوطنية الجامعة لمختلف اطياف الشعب الفلسطيني وتاهت في قضاءات خارجية هي ابعد ما تكون عن واقع هذا الشعب واهدافه وتطلعاته: فليس هناك مبرر لفلسطيني كي يحمل السلاح في وجه اخيه الفلسطيني وقد كان الشعار المرفوع تقليديا وواقعيا منذ انطلاق النضال الفلسطيني قبل عدة عقود هو حرمة الدم الفلسطيني واعتباره خطا احمر لا يجوز تخطيه والتزم بهذا الشعار القادة التاريخيون لهذا الشعب وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات والشيخ احمد ياسين. والسؤال هو:
ماذا سيكون موقف هذين القائدين لو انهما شاهدا ما يحدث بين «حماس» و «فتح» هذه الايام من الاقتتال المأساوي العبثي الذي اعاد قضيتنا المقدسة عشرات السنين الى الوراء؟
الحوارالوطني وحده وعلى اساس الانتماء لفلسطين اولا وآخرا وليس بهدف المناورة او الاستجابة الشكلية لمطالب هذه الجهة العربية او تلك هو الذي يضع حدا لما وصلنا اليه من التمزق والانقسام. ان القيادات الفلسطينية التي تملك صنع القرار للفصائل وبالتالي تحدد مسار الوفاق او الاختلاف على الساحة الفلسطينية هذه القيادات مؤتمنة على مصير الشعب والقضية ويفترض ان تمتلك من الحكمة والتبصر وبعد النظر ما يؤهلها لاطلاق مبادرات فلسطينية للمصالحة وانهاء الانقسام دونما حاجة الى الوساطات الخارجية التي يثمنها الفلسطينيون عاليا في كل الاحوال.
ان وصول الوضع في قطاع غزة درجة من السوء الى حد التجاء عناصر فتحاوية الى اسرائيل بعد الاشتباكات المأساوية في حي الشجاعية يجب ان يقرع ناقوس الخطر وينبه الجميع الى الدرك الذي انحدرت اليه القضية الفلسطينية. فقد اصبحت الحالة الفلسطينية مثارا للاستخفاف عربيا ودوليا بعد ان كان النضال الفلسطيني نموذجا يعتز به العالم كله.
الاغلبية الفلسطينية غير المسيسة تطالب بانهاء هذه الاوضاع الكارثية ومرة اخرى نقول ولا نملّ من القول: كفى.
