كالعادة تناول اللقاء الذي انعقد أمس بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، الأوضاع المأساوية المستمرة والتي يعانيها الشعب الفلسطيني من إغلاقات وحواجز وحصار وتنكيل بشكل يومي وكذلك تناول الأوضاع المزرية التي يتلقاها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال والمعاملة غير الأخلاقية والمتجاوزة لكل الحدود والاتفاقيات المؤكدة على حقوق الأسرى الفلسطينيين الذين تؤكد الأنباء الواردة عن أحوالهم قيام جنود الاحتلال بممارسة أفظع الأساليب اللاإنسانية متمثلة في حرمانهم من الطعام والماء والدواء والنوم.
وحسب كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات فإنه تم الاتفاق خلال اللقاء على الإفراج عن أكثر من 150 أسيرا فلسطينيا قبل نهاية الشهر، ومن بين هؤلاء المعتقلين الذين تناولهم ملف الأسرى مروان البرغوثي وأمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات وعزيز الدويك وأعضاء المجلس التشريعي فؤاد الشوبكي وجمال خويل وجمال الطيراوي، ولا ريب أن هؤلاء لهم تاريخهم النضالي على صعيد قضيتهم العادلة، ومن شأن هؤلاء لو تم فعلا إطلاق سراحهم أن يساهموا بدرجة كبيرة في تبديد الأجواء الملتهبة والتي بلغت سخونتها في الأيام القريبة الماضية بين حركتي فتح وحماس، ويحركوا المياه الراكدة فيما يخص الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس محمود عباس على أساس المبادرة اليمنية التي وقعتها كل من فتح وحماس، أي بالإفراج عن هذه القيادات الفلسطينية بما تمتلكه من رصيد نضالي وشعبي بين الشعب الفلسطيني تكون هناك إمكانية كبيرة في إيجاد مناخ ملائم وأرضية مناسبة لانعقاد الحوار.
لكن إزاء هذه الخطوة الفلسطينية من جانب السلطة الوطنية هل ستلتزم إسرائيل بالوعد الذي قطعته بإطلاق سراح هؤلاء الأسرى، لا سيما إذا كانت تدرك أنهم قد يشكلون عاملا من العوامل التي ستعمل على تقريب الفلسطينيين وجلوسهم على طاولة واحدة وتبعدهم عن حالة الانقسام الحالية؟ وفور إعلان قرار الإفراج في ختام لقاء عباس ـ أولمرت أبدى الكنيست الإسرائيلي معارضته الشديدة لهذا القرار، معتبرا إياه خطأ سيضر بالأمن وبالجهود المبذولة من أجل الإفراج عن جلعاد شاليط، واصفا الأسرى الفلسطينيين بأنهم إرهابيون.
وإذا كان هذا رأي الكنيست فإنه ليس هناك ما يشير في الأفق إلى إمكانية الإفراج المقرر أن يكون في الخامس والعشرين من الشهر الحالي. وهذا يؤكد عدم قدرة إيهود أولمرت على تمرير أي اتفاق أو تعهد بعد أن أصبح محدود الصلاحية بإعلانه الاستقالة قريبا عن رئاسة حزبه كاديما وعدم تدخله في الانتخابات. وهذا ما يبعث على الخوف من أن تصبح مثل هذه اللقاءات مجرد لعبة إسرائيلية لإشغال الفلسطينيين وإبقاء وضعهم المنقسم على ما هو عليه لحين مجيء رئيس وزراء إسرائيلي جديد وكذلك رئيس جديد للولايات المتحدة.
إلا أن الموقف الفلسطيني من اللقاءات ومعه الموقف السوري من المفاوضات غير المباشرة والإصرار على مواصلتها سواء رحل أولمرت أو جاء آخر يدل على الرغبة الحقيقية في سلوك طريق السلام كخيار استراتيجي وأوحد ينصف الجميع ويجنب شعوب المنطقة الويلات ويحقق الرخاء والازدهار لها، ويؤكد في المقابل عزوف إسرائيل عن هذا الخيار وعدم استعدادها له. وبالتأكيد هذا الموقف الإسرائيلي سيظل قائما بسبب حالة الانقسام في الموقف العربي والموقف الفلسطيني، وبالتالي ستظل إسرائيل تناور، ولا مجال للتغلب على هذه المناورات الإسرائيلية إلا بوحدة الصف العربي ودعم كل من الفلسطينيين والسوريين.
