كل يوم يسجل النظام الحكومي العربي فشله الذريع، وقد قلنا إن هذا الوطن العربي المأزوم بعساكره قد تعافى من الانقلابات لإفلاس المؤسسة العسكرية في العديد من حالات الفشل بالهزائم وتدوير أرقام الميزانيات لحساب "الخردة" التي يتسلحون بها على حساب تنمية الوطن وحماية المواطن، إلاّ أن آخر حدث في موريتانيا، والتي استغربنا أن تصل بقناعات "جنرالاتها" إلى مستوى عال من الانتخابات واختيار الرئيس، وهو ما لم ينجح في دول أكثر ثراء، وتقدماً في هذا الكيان العربي المتوتر، وضعنا أمام أزمة جديدة.

لقد ثبت فشل الانقلابات لأنها بديل غير موضوعي عندما يستبدل رجال الإدارة المدنية والجامعات، والمؤسسات الحكومية والأهلية بقيادات تخرج من الثكنة إلى كرسي عمل اختصاصي لا يصلح لأصحاب ملابس "الخاكي" والأحذية الخشنة الذين ظل إعدادهم للمعارك وتحرير الوطن وحمايته، فكانوا جناية تاريخية على المسارين الاجتماعي والسياسي، وهدراً للدخل القومي وتنميته..

فشلت الديمقراطية الوليدة، لأنها بدون حماية العسكر سوف تنمو في الفراغ، ومن هنا كان لجوء بعض الحكومات لتسليم مهام أساسية هي من صميم سلطة الحكم المدني إلى أصحاب النجوم المذهبة من الجنرالات ومن تحتهم، ليصبح حامل هذه المهمة لاحقاً الأحزاب الإسلامية والتي جاءت من داخل المؤسسات الشعبية ولكن طروحاتها لا تقل مأساوية عن سلوكيات العسكر، فجاء الآخرون ليلغوا تلك الحكومات، أو يعزلوها بقوة الآليات، لا بالإزاحة السلمية المتفق عليها شعبياً..

والموضوع لا يقف عند الكيان العربي، إذ أن تركيا لم يحمها من سطوة العسكر إلا مواجهة أوروبا بأن هذه الحلول لا تضعها في مركز التعامل الصحيح معها، وأن دخولها الاتحاد الأوروبي مرهون بتطبيق دقيق للديمقراطية باشتراطاته المدنية لا العسكرية، غير أن السودان ونيجيريا وحتى أندونيسيا زمن "سوهارتو" وقعت تحت "بصاطير" العسكر، وبالتالي وجدناها، رغم مواردها وكثافة سكانها قد أصبحت ذات طبيعة متدنية في متطلبات الحياة، وصارت عبئاً على نفسها والعالم عندما انتشر الفساد ومعه طواقم الانتحاريين الإرهابيين الذين جاء تصديرهم للعالم جزءاً من إفلاس معنوي ومادي..

هذه الدول لو كان للأمم المتحدة قوة نفوذ مستقلة بحيث تفرض أسلوب إدارتها على الانقلابيين وأقطارهم لألزمها أن تحل كل تلك الجيوش وتنزع أسلحتها وطواقمها وتجهز لها حماية دولية بعيدة عن التنازع، وتستبدلها فقط بقوات أمن داخلي في ظل دولة مدنية يتم تشكيلها وتأهيلها لعدة مراحل.

وعندما يكون لها سلطات تشريعية وتنفيذية بحماية وطنية غير قابلة للاهتزاز تعطى هذه الدولة حرية قيامها بدورها ضمن مؤسسات غير قابلة للتقلب والتغييرات السلبية، غير أن هذا الموضوع غير ممكن وصارت الساحة مليئة بالثغرات القاتلة، عندما استبدلت هذه الدول مهمات جيوشها الوطنية في حماية استقلالها إلى تدميرها ذاتياً وإنسانياً، ولعل موريتانيا أحدث نموذج لصراع مرير بين إرادة شعبية تريد حكماً مدنياً بغطاءات قانونية ودستورية، وأخرى تعاكسها بمنطق احتكار الحكم للأقوياء، وهي مأساة عربية وعالم آخر ليس لديه من حوافز الحياة إلا التنافس على الامتيازات واحتكارها..