كثيرة هي المواقف التي يمرّ بها المرء في الدوائر والمؤسسات الحكومية، أو غير الحكومية، مع موظفين يجعلونه يشعر بالأسف أو الضيق أو الغضب أحيانا، إما بسبب لا مبالاتهم وإهمالهم وإما بسبب عدم معرفتهم بمتطلبات عملهم، مما قد يجعله يدفع الثمن أحيانا من وقته وأعصابه، وقد تتعطل مصالحه ومصالح كثيرين غيره بسبب هذا النوع من الموظفين الذين يفتقرون إلى حس المسؤولية، وتغيب عنهم مبادئ العمل الأساسية القائمة على احترام الوقت والغير.

والإخلاص في أداء المهام الموكلة إليهم، والتفاني في خدمة الناس، والمبادرة إلى تحسين واقع بيئة العمل بالاقتراحات المفيدة والتغييرات النافعة التي تنعكس إيجابا عليهم وعلى من حولهم، ناهيك عن أبسط المسائل وأيسرها من مثل البشاشة والاستماع الجيد إلى الطرف الآخر، وإظهار الاهتمام به وبمشكلته.

ومع أننا لا ننكر أنّ تغييرات كثيرة حصلت على واقع بيئات العمل في الدولة أثرت تأثيرا ملحوظا في تحسينها ورفع مستوى الأداء فيها، إلا أنّ جوانب كثيرة ما زالت بحاجة إلى اهتمام وإعادة نظر، خاصة تلك التي تهتم بإعداد الموظفين وتأهيلهم وتطوير مستوى أدائهم، وتشجيعهم على تحمل مسؤولياتهم بدوافع ذاتية تنبع من ضمائرهم وحسّهم العالي بدورهم المهم في خدمة الناس، وتذليل الصعوبات أمامهم، وتأدية الواجبات بدافع حب العمل والإخلاص له، لا بدافع الوظيفة والراتب الذي يقبضونه في آخر الشهر.

ولعل أكثر ما يلفت النظر بين جمهور الموظفين أنّ معظمهم يرى أنّ مسؤوليته تقتصر على تنفيذ بعض المهام التي أوكلت إليه، فدأب على تأديتها يوميا في خطوات معروفة، فإذا هو نفذها بشكل صحيح فقد أدى ما عليه، ولا يبقى عليه بعد ذلك أي شيء يطالب به أو يسأل عنه، فهو لا يرى نفسه مسؤولا تجاه تحسين واقع عمله أو تصحيح بعض الأخطاء التي قد يلاحظها، ومعظمهم يرضى مع الوقت بأن يكون عمله شيئا يشبه العمل الآلي الذي لا حياة فيه ولا روح.

وقد مررت بنفسي في مواقف مع موظفين أو موظفات من الشباب يتوقع المرء أنهم مفعمون بالحماس والحب لعملهم، ولم تقضِ الرتابة والعادة وطول العهد على توقهم إلى أداء واجباتهم بروح إيجابية عالية ومحبة والتزام، ولكنك قد تفاجأ بما تراه أحيانا من سلبية قاتلة ولا مبالاة وعدم احترام للآخرين وبطء شديد في أداء العمل يجعل الدماء تغلي في عروقك، ولكنك تحاول ما استطعت أن تتحلى بالصبر والحكمة، وقد تتساءل بينك وبين نفسك: ما الذي يجعل شبابا في هذا العمر يتصرفون كأنهم كهول، وكأنّ العمل الذي يؤدونه عقاب فرض عليهم فرضا؟

ناهيك عن عدم الدقة والأخطاء التي قد يقترفونها، ولولا أنك تدقق من ورائهم لما انتبهوا إلى ما وقعوا فيه. ولا نريد بذلك أن نظلم جميع الموظفين، ولا أن نبالغ في بيان جوانب القصور عندهم، فلا شكّ أنّ هناك فئة متميزة تستحق التقدير والاحترام والتشجيع، ولكنّ الفئة التي أقصدها هي التي نصادفها في كثير من المواقع، وتحدث بيننا وبينهم مواقف تجعلنا نحزن أن يكون هذا هو الحال في مثل هذه الوظائف المهمة والحساسة أحيانا.

والأمثلة على ذلك كثيرة، بعضها مررت به شخصيا، وبعضها روي لي ممن أثق بهم، ولكنّ أكثر المواقف التي أحزنتني حقا كانت من موظف شاب في غاية اللطف والدماثة، فقد رآني وأنا أناقش زميلته في شأن ما جئت من أجله، وهي تعلمني بإجراءات العمل التي يجب أن أتبعها.

وحين حاولت أن أبيّن لها أنّ هذه الإجراءات غير منطقية، لم تستمع لما أقوله وأصرّت على موقفها، فجاءني مستفسرا، وأخذ الأوراق وبذل ما يستطيع من أجل أن ينهي المعاملة، وحين جاءني بعد ذلك وقد نجح في مسعاه، اعتذر لي بأدب، فقلت له: المشكلة في الإجراءات التي أراها غير منطقية وغير مريحة بالنسبة للمراجعين. فقال لي: معك حق، لكن ماذا نفعل؟ نحن مجرد موظفين.

استوقفتني هذه العبارة طويلا، وفكرت فيها، وتساءلت: وهل على الموظف أن يقوم بأداء المهام الموكلة إليه من دون أن يكون له دور في تغييرها إن رأى أنها غير مناسبة أو غير عملية؟

هناك فكرة عامّة تكاد تكون سائدة متجذرة في عقول كثير من الموظفين، وهي أنّه إذا أدى ما عليه من مهام يومية، وانتهي منها في حينها، فإنه يكون قد قام بعمله على خير وجه، ولا يرى أنه هو من دون غيره أقدر الناس على تغيير بيئة عمله إلى الأفضل، لأنه هو الذي يواجه التفاصيل الصغيرة اليومية، وهو الذي يمرّ بمواقف مختلفة مع أناس شتى تجعله أكثر وعيا بثغرات العمل وسلبياته وإيجابياته، ولن يستطيع أي مسؤول كبير مهما أوتي من حرص واهتمام أن يكون أكثر اطلاعا على مثل هذه التفاصيل من الموظف نفسه. فإذا تبنى الموظفون فلسفة «نحن مجرد موظفين».

ورأوا في أنفسهم نماذج للأشخاص الذين يوكل إليهم تنفيذ المهام من دون أن يكون لهم دور في تغييرها أو تحسينها، فإنّ بيئات العمل ستعاني من الترهل والجمود، وقد يقضي عليها الروتين القاتل والإجراءات الشكلية غير المبررة، التي لا يعي المسؤولون الكبار ضررها ودورها في الإضرار بالعمل والمراجعين والموظفين.

ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نلقي اللوم كله على الموظفين وحدهم، فهناك بيئات عمل ترزح تحت وطأة مسؤولين يعانون عقدا نفسية تجعلهم لا يقبلون رأي من هو أقل منهم، ولا يرون فيه شخصا ذا قيمة يؤخذ بأفكاره واقتراحاته. ومثل هؤلاء يكونون بلاء على الموظفين ذوي الرؤية الواسعة والحماس الشديد للعمل. ولعل العمل بروح الفريق هو أكثر ما تفتقر إليه بعض بيئات العمل في بلادنا، وهو أمر واضح جدا في كثير من المواقع.

وليس القصد أن نقلل من شأن الإنجازات الكثيرة التي نشهدها يوميا لتطوير بيئات العمل المختلفة في دولتنا، ولكنّ القصد أنْ نمارس على أنفسنا شيئا من النقد الذاتي البنّاء الذي لا يتجاهل الأخطاء، ولا يتعامى عن الثغرات، ويحاول جاهدا مخلصا أن يتغلب على نقاط الضعف، وأن يتجه بإصرار وعزم وحب إلى الأفضل في كل ما يفعله، ولعلّ أول خطوة صحيحة في هذا الاتجاه تبدأ بالاعتراف بوجود الخلل، لأنه لولا هذا الاعتراف الصادق سنظل نراوح مكاننا.

جامعة الإمارات

ltfibrahim@yahoo.com