منذ لقاء الزعيم العربي جمال عبد الناصر مع الزعيم الهندي نهرو في باندونغ «الإندونيسية» في ضيافة الرئيس سوكارنو وبمشاركة الزعيم الصيني شو إن لاي عام 1955، في مؤتمر التضامن الآسيوي الإفريقي التحرري، لإنهاء عصر الاستعمار وتعاون دول العالم الثالث في التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تمثل الضمانة الحقيقية لأي استقلال سياسي وطني.. مرورا، بلقاء الزعيمين ناصر ونهرو مع الزعيم اليوغسلافي الأوروبي تيتو، في مؤتمر بريوني عام 1956 قبيل حرب السويس التاريخية، والذي امتدت فيه حركة التضامن الأفرو آسيوي إلى أوروبا..
وانتهاء بدعوة الزعماء الثلاثة لدول العالم الثالث لمؤتمر في العاصمة اليوغسلافية بلغراد عام 1961، تجسدت فيه سياسة عدم الانحياز استلهاما لروح باندونغ وبلورة لفكرة بريوني، لتبرز إلى واجهة السياسة الدولية كتلة جديدة وكبيرة أحدثت توازنا بيت القوتين الكبريين، داعية إلى الاستقلال عن الكتلتين ونزع السلاح النووي الذي يهدد بدمار العالم، ومنادية بالتعايش السلمي، خصوصا مع وقوف القطبين العظميين على حافة الحرب النووية إثر المواجهة بينهما فيما عرف بأزمة الصواريخ الكوبية..
تشكلت كتلة عدم الانحياز من الدول التي تحررت حديثا من سيطرة الاستعمار، خصوصا مع المد التحرري الوطني الذي اجتاح العالم الثالث في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، مع بداية نهاية الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة الإنجليزية والفرنسية، بعد هزيمتها في حرب السويس وانتصار ثورة التحرر الوطني المصرية، والتي كان عليها تحديد مواقفها مع بروز الاستقطاب الحاد بين معسكرين غربي وذراعه حلف الأطلسي بقيادة أميركية، وشرقي وذراعه حلف وارسو بقيادة سوفيتية، وبعد نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين بقيت أربعة اتجاهات تستدعي المناقشة..
.. الأول رأى في تغير الظروف الدولية بغياب القطب السوفييتي وبقاء القطب الأميركي ونهاية الحرب الباردة، واختفاء شبح الحرب النووية بين موسكو وواشنطن، سببا لانتهاء دور الحركة..
.. والثاني رأى أن الفلسفة التي أطلقت تشكيل الحركة في ظل الصراع بين الكتلتين، لم تعد تتطابق مع واقع العلاقات الدولية بعد انتهاء الصراع بغياب «حلف وارسو» وتمدد «حلف الناتو».
.. فيما رأى الثالث أنه يلزم لاستمرار دور الحركة تغيير أهدافها بحيث تلعب دورا تنمويا لا سياسيا، والتخلي عن ما أسمته شعاراتها القديمة لتصفية الاستعمار ودعم التحرر الوطني بعدما انتهي عصر الاستعمار.
.. بينما الرابع دعوة من بعض حكماء الواقعية الجديدة بالتسليم بانتهاء عصر توازن القوى الدولية وفشل الاشتراكية، والقبول بالأمر الواقع الجديد دون مقاومة للنظام العولمي الجديد بالقيادة الرأسمالية الأميركية.
فهل هذا هو المطلوب؟ ومِن مَن؟! من الشعوب الحرة الساعية إلى تأكيد استقلالها وحريتها وكرامتها ومن قياداتها المعبرة عن إرادتها، أم من القوة الساعية للهيمنة على العالم ومن التابعين لها شهود الزور على إرادة هذه الشعوب؟!
لقد كان أعظم ما في هذه السياسة البناءة الجديدة أنها ترجمت المعنى الحقيقي للاستقلال الوطني، بممارسة حرية الإرادة في رسم سياستها لمصلحة أوطانها وشعوبها، وليس لضغط أي من الحلفين اختارت عدم الانحياز، وحين فرض عليها الاختيار بين الانحياز إلى الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي، لم تنحز إلا إلى أوطانها وشعوبها.. حتى لا تكون الشريك الأصغر أو الأضعف في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والكبار.
كاتب مصري