في خضم الأزمات السياسية التي تشكل كركوك إحدى محطاتها، يحتاج العراق لفتح صفحة جديدة لتسوية العديد من الملفات السياسية التي تضعه على الطريق الصحيح، الذي يتيح له الخروج من الاحتلال الأميركي، فإن المساعي السياسية للخروج من أزمة قانون المحافظات خطوة على طريق طويل يجب أن يتوج بمصالحة وطنية فعلية بين كل الكيانات السياسية. فأزمة كركوك يجب أن تحل في إطار وطني عام يؤكد عراقيتها بالأساس.

وتثير قضية كركوك، بعد التصعيد الأخير، مخاوف من فتح أبواب الرياح السوداء التي تشتت الجهود وتبعثر ركائز الوحدة الوطنية الشعبية بين الأعراق المتآخية وتثير فتنة ليس من مصلحة عامة فيها لأحد إلا لأعداء البلاد، فالمشكلة ما هي إلا انعكاس لأزمة الرؤية حول شكل النظام السياسي العراقي ومفهوم التعايش.

إن الحل التوافقي للمعضلة المتفجرة مطلب ملح وضرورة تمليها الظروف الراهنة والأخطار الجسيمة التي تحيق بالبلاد، لا مكان لحسابات الربح والخسارة لطرف على حساب طرف آخر، في القضايا الوطنية الكبرى، ولا مجال لتأجيج العواطف، والنوازع على اختلاف أنواعها، وإنما للأفكار الواقعية المتوازنة، وليس للمغامرة التي قد تفرط في كل شي.

إن توحيد الخطاب الإعلامي هو خطوة مهمة في سلم العمل المشترك لقوى اليسار والديمقراطية، وهو خطوة عملية لتوحيد كل الروافد في مصب واحد وهو مصلحة العراق، وإنها بحق هي التمرين الأول للانعطاف السياسي الكبير، وهو التهيئة التي تحقق له السيادة الكاملة بإنهاء الاحتلال، وتضع الأسس السليمة لإقامة النظام الديمقراطي التعددي.

ويتطلب الخروج من المأزق العراقي أولا التخلي عن أسلوب الترميم في إدارة العملية السياسية ومنهج الطائفية واقتناص الفرص من جانب الأطراف الثلاثة لفرض سياسة الأمر الواقع، وثانياً إحداث تغيير استراتيجي حقيقي في مدخلات المعادلة العراقية ورؤية صحيحة تنطلق من الاقتناع بأن الكل خاسر في ظل استمرار الوضع الحالي.

فالمعضلة العراقية ليست في ضبابية العملية السياسية واختلال ركائزها فقط، بل إن دوامة العنف الطائفي لا تزال مستعرة، يعكسها العدد الكبير من القتلى والجرحى يوميا، ويغذيها حالة الفوضى السياسية والأمنية التي جعلت العراق ساحة للأدوار الخارجية لتعبث فيها تحقيقا لمصالحها، ويساعدها استمرار الاحتلال الأميركي الذي يسعى لاستغلال الوضع لبسط خياراته في نهب الثروات النفطية للعراق.

لذلك فقد آن الأوان لإزالة التناقضات والألغام من الساحة العراقية، وأبرزها استمرار الاحتلال ووضع جدول زمني محدد للانسحاب يتزامن معه الإسراع في تحقيق مصالحة وطنية حقيقية بين كل الأحزاب بالموازاة مع بناء مؤسسات الدولة.