من المؤكد أن إسرائيل قد تفكر أكثر من مرة قبل الإقدام علي اجيتاح قطاع غزة، وأن تهديداتها للإقدام علي ذلك لا تعدو بلالين اختبار، وهي تدرك أن الخسائر التي سوف تتكبدها ستكون أكثر وطأة من نتائج حربها علي لبنان، وما أثمرت عنه من تصدع في الصورة الأسطورية للجيش الإسرائيلي، الذي خرج مطأطيء الرأس، فيما انخرط سياسيو إسرائيل في محاسبة الذات التي لم تنته تداعياتها حتي الآن، ودفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت ثمنها بتخليه عن منصبه.

لكن تظل تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك بحتمية الاجتياح، سببا للتوتر، وإشارة واضحة تفيد بأن إسرائيل أبعد ما تكون عن الرغبة في الالتزام بالتهدئة، وتبعاتها..

كما تدرك الحكومة الإسرائيلية المتهالكة، أنها عاجزة عن المضي خطوة واحدة في المفاوضات مع السلطة الوطنية الفلسطينية، ولن تستطيع كذلك الاستمرار في المفاوضات المباشرة، أو غير المباشرة مع سوريا، ولن تقدر في الوقت نفسه علي الإيفاء بالتزاماتها إزاء هكذا اتفاقيات شاملة. لهذا نجد أن باراك يحاول أن يحرك المياه الراكدة في البيت الإسرائيلي، ويلوح بالعصا، ليؤكد من جديد أن إسرائيل لا تسعي إلي الاستقرار، أو التهدئة بقدر ما تفضل العدوان، والقتل.

وباراك نفسه الباحث عن فرصة أخري لرئاسة حكومة إسرائيل، يحاول من خلال عنترياته أن يعوض إخفاقاته السياسية السابقة، ولن يجد سوي قطاع غزة ليفجر فيه غضبه المكبوت، وفشله علي الصعيدين الداخلي، والخارجي.

والغريب أن تنطلق تهديدات إسرائيل للفلسطينيين من تكهنات، دون تسجيل ما يؤكد مخالفة المقاومة الفلسطينية لمبدأ التهدئة.

والأجدي بالحكومة الإسرائيلية، أن تؤسس للاستقرار، وتكف عن سياسة الاستفزاز، والتحريض، كما عليها أن تلتزم بشروط التهدئة، خاصة إعادة فتح معبر رفح الذي يشكل إغلاقه أداة قذرة لحصار الشعب الفلسطيني، دون تفريق بين من يحمل السلاح، ومن يبحث عن لقمة العيش.

قدمت القيادة الفلسطينية في غزة كل الضمانات، والتزمت بالهدنة، ليس عن ضعف بل لإعطاء فرصة للإسرائيليين كي يعيدوا حساباتهم، ويقدموا ما يمكن الاستفادة منه في أجواء الاستقرار، بيد أن السياسة الإسرائيلية القائمة علي العمليات العسكرية، لن تعطي للهدوء فرصة للحياة.. فالتهدئة أو اتفاقات السلام، لا تعدو وسائل تكتيكية لإسرائيل، تحاول من خلالها الحصول علي أكبر قدر ممكن من الفائدة إن كان ذلك ميدانيا علي حساب الفلسطينيين، أو سياسيا لصالح الوضع الإسرائيلي الداخلي.