حين أتابع تغطية المحطات الأميركية للانتخابات، أشفق على المواطن الأميركي العادي. فأنت تشاهد تلك المحطات فتتصور أنك تتابع بلدا آخر، لا يعاني أزمة اقتصادية كبرى ولا ينفق المليارات بموجب احتلاله لبلدين كبيرين.
ويحدث كل ذلك في عام انتخابات تشريعية ورئاسية، وصلت فيه شعبية الرئيس بل والكونجرس إلى معدلات بائسة للغاية، ويشعر فيه المواطن الأميركي العادي بقلق حقيقي إزاء مجمل الأوضاع الداخلية والخارجية، الأمر الذي يفترض معه أن تكون المعركة الانتخابية فرصة لمناقشة القضايا الكبرى، وهو ما يمكن أن يسهم فيه الإعلام بدور محوري، عبر تسليط الأضواء على تلك القضايا ومواقف المرشحين منها.
فالإعلام وفق المقولة المعروفة، لا يملي عليك أفكارك بشأن كل موضوع، وإنما يحدد لك أصلا الموضوعات التي ينبغي أن تفكر فيها. فما يختار الإعلام أن يركز عليه الأضواء يصبح قضية الساعة، بينما تصبح الأحداث التي يتجاهلها وكأنها لم تحدث.
لذلك حين يتجاهل الإعلام الأميركي القضايا، تشعر كأنه يغطى بلدا آخر. ففي فترة الانتخابات تتحول الشاشات الأميركية إلى سيرك للمباريات الكلامية بالغة التفاهة التي تسطح بعض القضايا وتختزلها، بينما تتجاهل قضايا أخرى بالكامل. وفي زحام الصراخ والصراخ المضاد، يتوه الناخب، غير المسيس تحديدا.
خذ مثلا ما حدث الأسبوع الماضي نموذجا للطريقة التي يغطى بها الإعلام الحملة الرئاسية. فالحدث الأهم كان عودة أوباما من رحلته الخارجية التي استقبل فيها بترحاب دولي ملحوظ، خصوصا في أوروبا. وبمجرد عودة أوباما، خصصت الأغلبية الساحقة من البرامج الحوارية وقتها لمناقشة أسئلة بالغة التفاهة، من نوع «هل يصاب أوباما بالغرور بعد ذلك الاستقبال الحافل»؟ «وهل صار يتصرف بغطرسة وكأنه الرئيس الفعلي لأميركا»؟
وقد تدور الحلقة بأكملها حول سؤال من هذه الأسئلة، وينطلق كل من الضيوف ليقول «رأيه» الشخصي، الذي عادة ما يكون ذا لون أيديولوجي يعلن عنه البرنامج بنفسه في شريط التعريف بالضيوف! وهو رأي ليس مبنيا بالضرورة على حقائق أو أرقام، وإنما هو من باب التخمين تارة والدعاية لأحد المرشحين تارة أخرى. ولا يمكن بالقطع للناخب الذي يريد أن يعرف معلومات موثوقا بها أن يعتمد على تلك البرامج.
ونشرات الأخبار ليست أفضل كثيرا من برامج «الكلام»، فهي تخصص جزءا كبيرا من وقتها لمتابعة جرائم جنائية وقضايا ذات طابع فضائحي، ثم تعطي وقتا معتبرا للجوانب التي تعتبرها «مثيرة» في الحملة الانتخابية، كالاتهامات المتبادلة بين المرشحين وحياتهم الشخصية.
لكن كل هذا التركيز على رحلة أوباما الخارجية، أساء كثيرا لحملة جون ماكين فقامت بإنتاج إعلان تليفزيوني يسخر من أوباما ويشبهه بالمطربة الأميركية بريتني سبيرز، باعتبار أن كليهما من «المشاهير». وكانت رسالة الإعلان أن الشهرة وحدها (التي حققها أوباما حول العالم) لا تؤهل صاحبها لمنصب الرئاسة، وإلا كان منطقيا أن تتولاها سبيرز التي يعرف القاصي والداني في أميركا كل شيء عن حياتها الخاصة وما نشر عنها من فضائح من العيار الثقيل.
وما إن خرج ذلك الإعلان إلى النور، حتى صار هو بؤرة السيرك المنصوب في الإعلام المرئي والمسموع. فبات مضمون الإعلان ثم رد فعل أوباما عليه، هو كل ما يشغل الإعلام ليومين متتاليين أو ربما أكثر قليلا.
وبعد أن انتهى كل ما يمكن أن يقال من «الكلام» في الموضوع، راح الإعلام يفتح ملفا جديدا من الأسئلة، كلها تدور حول تأثير رحلة أوباما ثم إعلان بريتني سبيرز، على السباق الرئاسي! بعبارة أخرى، شغل الإعلام الأميركي الناس أولا بأسئلة تافهة لم تتطرق إلى مضمون زيارة أوباما، ثم شغلهم بالإعلان المذكور، ثم راح بعد ذلك يسأل عن تأثير الاثنين على شعبية أوباما وماكين!
وفي كل ذلك لم تطرح طوال الأسبوع قضية واحدة من القضايا التي تشغل الناخب، بدءا بالاقتصاد الذي يعانى أزمة كارثية يقول الخبراء إنها الأسوأ منذ كساد الثلاثينات، ومرورا بالتأمين الصحي الذي لا يملكه أكثر من 45 مليون أميركي، وصولا إلى حرب العراق التي صارت الأغلبية تعتقد أنها حرب كارثية.
ولا جديد في الواقع في أداء الإعلام الأميركي، فهو درج على التعامل مع الانتخابات الرئاسية بمنطق «سباق الخيل». فلأنه إعلام هادف للربح، فهو يبحث عن الإثارة والتسلية ومن ثم يتجنب القضايا المعقدة وتفصيلاتها «المملة»، ويميل بدلا من ذلك للتركيز على «السباق» نفسه، أي يغطى الانتخابات تماما كما يغطى سباقا للخيل.
فهذا المرشح «يتقدم» وذاك «يتراجع»، بينما «تعثر» فلان وتخطى منافسه «حاجزا مهما». ولا مانع طبعا من الحديث عن الصفات التي يتميز بها كل «جواد»! ولأنه إعلام يهدف للربح ويعمل على مدار الساعة، فإن هذا النوع من التغطية أقل تكلفة بلا شك من تجنيد المراسلين وإعداد التقارير الإخبارية التي تتقصى الحقيقة وتجمع المعلومات الدقيقة.
لذلك يواجه الناخب العادي صعوبة بالغة إذا ما أراد الوقوف على موقف مرشح أو آخر بشأن قضية تهمه، فأمامه في الواقع خياران: إما أن يبحث عن المعلومات بنفسه بعيدا عن الإعلام الأميركي، وهو ما يفعله المثقفون الأميركيون بالمناسبة، أو يستسلم لتلك التغطية الإعلامية البائسة فيحصل على معرفة «انطباعية» على أفضل تقدير.
ورغم أن أيا من ذلك ليس جديدا في أميركا، إلا أن المفارقة هي أن وطأته مرشحة للازدياد هذا العام بالمقارنة بأعوام انتخابية سابقة. والسبب في ذلك مركب، فمن ناحية يتجنب أوباما الخوض في تفاصيل القضايا ويسعى للفوز بناء على أفكار عامة مثل «التغيير»، دون أن يشرح بالضرورة وجهة هذا التغيير، وهو الأمر الذي يجعل تجاهل الإعلام للقضايا أكثر سهولة بكثير.
ومن ناحية أخرى، فإن ماكين صار يدير حملة سلبية جوهرها الهجوم على أوباما والتشكيك في قدراته، الأمر الذي يمثل مادة يعشقها الإعلام الباحث عن الإثارة. باختصار، بدلا من أن تكون الانتخابات الحالية استفتاء على القرارات الداخلية والخارجية التي اتخذتها أميركا في عهد بوش، ستكون استفتاء على «شخصية» أوباما، دون أية مراجعة حقيقية للتوجهات الأميركية التي تسببت أصلا في أزمتها الحالية.
كاتبة مصرية
