غداة اعتداءات 11 سبتمبر، بثت محطة «سي إن إن» الأميركية فيلما قديما لفلسطينيين مبتهجين في الشارع، وأشارت إلى أنهم يحتفلون بتفجير برجي مركز التجارة. لكن تبين فيما بعد أن الفيلم أرشيفي ويعود إلى فترة حرب الخليج الثانية عام 1991 عندما ضربت صواريخ «سكود» العراقية تل أبيب.
لكن منذ ذلك اليوم وحتى الآن، فإن محللي الإرهاب الغربيين يوالون ممارسة العمى الأخلاقي بجدارة استثنائية، عبر تصوير إرهاب «تنظيم القاعدة» باعتباره امتدادا لما يطلقون عليه «الإرهاب» الفلسطيني.
والثابت تاريخيا، أن خطف الطائرات والهجمات ضد المدنيين، كانت مرحلة سرعان ما تجاوزها الفلسطينيون إلى أطوار أرقى من النضال السياسي والعسكري. وفي هذه المرحلة، يبدو «محللو الإرهاب» الغربيون مثقوبي الذاكرة أيضا، عندما يتناسون السجل الإسرائيلي ولا يتوقفون أبدا عند محطات مثل: الغارة على مطار بيروت وتدمير 11 طائرة مدنية لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية عام 1969، والغارة على مدرسة «بحر البقر» و«مصنع أبو زعبل» في مصر مثلا، ناهيك عن المجازر في حق الفلسطينيين وهدم بيوتهم واقتلاع المزروعات والأشجار بالجرافات وأساليب العقاب الجماعي.
لا يتوقف محللو إرهاب «القاعدة» أمام هذه المرحلة في تحليلهم لتاريخ الإرهاب، بل يعيدون تكرار ما سعت إليه محطة «سي إن إن»، وبشكل مقصود تماما، بربط إرهاب القاعدة بمرحلة عابرة في تاريخ النضال الفلسطيني. لا يرون في النضال الفلسطيني أبعد من هذه المرحلة المبكرة بعد هزيمة 1967، ويقدمونها بشكل أحادي باعتبارها محض إرهاب، ليست له مسببات أبدا أبعد وأعمق من كونه عائدا لجينات وراثية لا يملكها إلا العرب.
آخر هذه المحاولات، ملف مجلة «ذي ايكونومست» عن «القاعدة» في عددها الصادر بتاريخ 17 يوليو الماضي. على أن أقر أنه جهد بحثي جبار واستقصاء دقيق، لكنه يعاني من الخلل البنيوي نفسه، ويمارس العمى الأخلاقي ذاته.
في المقال الافتتاحي لهذا الملف المعنون «نكسب أم نخسر»، وفي معرض حديثه عن جذور الإرهاب، يقول كاتب المقال «استفادت القاعدة من عقود لإرهاب الشرق الأوسط، لقد طورت المجموعات الفلسطينية إرهابها إلى مستوى عالمي في السبعينات».
تأتي هذه الفقرة دون أي شروحات بالتأكيد، بل يمر عليها الكاتب مرورا سريعا وتقدم دون استدراك لكل ما طرأ على النضال الفلسطيني بعد ذلك. وهنا مرجع الخلل الكبير الذي يعتري تحليلات الغربيين عن إرهاب القاعدة، فهم لا يرون فيه سوى امتداد لمرحلة عابرة من النضال الفلسطيني، ويغضون الطرف تماما عن كل التطورات اللاحقة التي طرأت على هذا النضال ودفعت العالم إلى التوقف في ذروة هذا النضال في عام 1987، مع اندلاع الانتفاضة الأولى وإدراك أن هناك شعبا خاضعا للاحتلال ويسعى للتحرر.
وفي العام 2008، ما زال هذا الكاتب مثل أسلافه من محللي إرهاب السبعينات، لا يتعامل مع النضال الفلسطيني باعتباره نضالا مشروعا لشعب خاضع للاحتلال، بل إن مفردة «الاحتلال» لا ترد أبدا في سياق تحليله.
يقدم هذا الكاتب دليلا إضافيا على عماه الأخلاقي، عندما يستهل موضوعه اللاحق في الملف المعنون «جين التدمير الذاتي» بالحديث عن «المنجنيق».
يورد الكاتب مقولة لـ «ابن النحاس الدمياطي»، الذي يقدمه باعتباره أحد من أبرز من كتبوا حول الجهاد ضد الحملات الصليبية، يقول فيها «يمكن استخدام المنجنيق ضد الأعداء حتى لو كان هناك نساء وأطفال بينهم، وحتى لو كان هناك سجناء مسلمون أو تجار، أو حتى أولئك الذين تم منحهم ممرا آمنا».
على المستوى الحرفي، يبدو الاستنتاج صحيحا في إشارته إلى أن مقولات كهذه يستند إليها جهاديو «القاعدة»، لكن سياق التحليل مختل من الأساس، لأن الفرضية التي يقوم عليها منحازة.
فالكاتب لا يرى أن الحملات الصليبية كانت محض احتلال ليس له مسوغ أخلاقي ولا قانوني، وهو ما يفرض منطقيا أن تتغير فرضيات التحليل بأكملها. كما أنه تغاضى عن سؤال أساسي: ماذا كان يفعل الصليبيون من أجل احتلال البلدات والمدن والقرى العربية؟ ماذا فعلوا بالسكان العرب والمسلمين؟ وليس له لإنعاش ذاكرته المثقوبة سوى قراءة مؤلفات بعض المؤرخين الغربيين، ليرى كيف أن الصليبيين لم يوفروا حتى مسيحيي الشرق من إرهابهم ومجازرهم.
ثالثا، مقولة الدمياطي (إن صحت) وردت في سياق تاريخي هو مقاومة الاحتلال الصليبي. وغض النظر عن الاحتلال الصليبي وإبراز المقولة باعتبارها تفسيرا لنزعة إرهاب متأصلة مفترضة لدى المسلمين، هو بالضبط ما يكرره محللو السبعينات الغربيون عندما يتغاضون عن الاحتلال الإسرائيلي وسجل الجرائم الإسرائيلية في حق السكان الفلسطينيين والعرب، ولا يتحدثون عن النضال الفلسطيني إلا باعتباره محض إرهاب لا سبب له ولا مسوغ شرعيا وأخلاقيا.
منذ الثمانينات، قدم الفلسطينيون تضحية كبرى بإعلانهم القبول بحل الدولتين. لقد وصل النضال الفلسطيني في ذلك العقد ذروته الكبرى: نضال مدني لشعب أعزل تحت الاحتلال، ونضال سياسي دولي جبار يحظى باحترام العالم. ومنذ الثمانينات وحتى اليوم، بقينا نكرر أنه ما لم تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة وتحترم قرارات الشرعية الدولية ويحظى الفلسطينيون بدولة مستقلة، فإن اليأس لن يفعل سوى أن يصنع جيلا جديدا من الانتحاريين سيبدو معه إرهابيو السبعينات مجرد هواة.
لقد حدث هذا فعلا، لكن في سياق مختلف تماما عن سياق النضال الفلسطيني، بل في سياق مناقض تماما ومدمر للسياق التاريخي للنضال الفلسطيني، لأن السياق الجديد يستنسخ مرحلة تجاوزها الفلسطينيون بجدارة وتفوق أخلاقي، يليق بشعب يناضل من أجل التحرر من المحتل ولا يجاريه في إرهابه.
على هذا يوالي محللو إرهاب الألفية الثالثة البحث عن أسباب الإرهاب وجذوره، في المكان الخطأ وبالفرضيات الخطأ. إن جذوره ليست في «التعاليم» ولا في «المدارس الدينية» ولا في «المناهج التعليمية»، بل في حقيقة ظل الغربيون يشيحون عنها اسمها «إسرائيل».
كاتب وصحافي بحريني