انعقاد مؤتمر وزراء خارجية دول حركة عدم الانحياز الأسبوع الماضي في العاصمة الإيرانية بحضور كبير لممثلي 118 دولة من قارات العالم الخمس، خاصة في هذه العاصمة بالذات، وفي مثل هذه الظروف الدولية المشحونة بالمواجهة الحارة بين واشنطن وطهران.. وجه رسالة سياسية لا تغيب دلالتها، هي أن قطار حركة الانحياز في ظل عالم متغير لا يزال يواصل حركته، من بلغراد إلى هافانا في الطريق إلى القاهرة، رغم الظروف المتغيرة عما كانت عليه عند ميلاد الحركة حين كانت المواجهة الأشد حرارة في ظل الحرب الباردة هي بين موسكو وواشنطن.

وقد عبرت عدة رؤى متباينة عما يتصل بدور هذه الحركة الدولية، تتمثل في أربعة اتجاهات وتتبلور في سؤال واحد هو.. هل لا يزال مطلوبا دور حركة عدم الانحياز التي انطلقت من «قمة بلغراد» عام 1961، بتاريخها الطويل بما يزيد على نصف قرن، وبحجمها الكبير الذي يمثل ثلثي أعضاء الأمم المتحدة؟

وهل لا يزال لديها ما يمكن أن تقدمه لشعوبها ولعالمها، ومازالت قابلة للاستمرار والعطاء في ظل هيمنة القطب الواحد وفي ظل عالم متعولم؟ أم أن بعض الذين يرون بعكس ذلك، سواء بحذف دور الحركة، أو بتعديل صيغتها، أو بتغيير وجهتها، أو بإضافة دور جديد لها.. هو الأقرب إلى الواقع، أو لعله هو المطلوب؟!

حول ما إذا كان دور الحركة قد انتهى بانتهاء الحرب الباردة، نتيجة غياب القطب السوفييتي من صراع الثنائية القطبية، ومع بقاء القطب الأميركي الواحد، فلعلي أرى العكس قائلاً.. بل لعله في الواقع الجديد قد بدأ!

فعندما أطلق الزعماء الثلاثة، ناصر ونهرو وتيتو، هذه الحركة في ظل مخاطر نشوب الحرب النووية بين القطبين حول أزمة الصواريخ السوفييتية بعد المحاولة الأميركية الفاشلة لغزو «كوبا»، كانوا في الواقع يدركون أن صراع القطبين هو بين الدول الكبرى على مد مناطق النفوذ لكل منهما للسيطرة على العالم..

وحتى لا تكون الدول الصغرى المستقلة هي ساحة حروبهما الساخنة، برزت سياسة عدم الانحياز، وكان الهدف الرئيسي منها تأكيد الاستقلال الوطني، وذلك بإيجاد عالم ثالث يرفض سياسة الأحلاف العسكرية حتى لا يقع في التبعية للقطب الأول أو للثاني، ليجنب شعوبه المستقلة خطر أن تكون ساحة لصراع المصالح الكبرى، أو أن تسقط تحت نفوذ أي منهما.

من هنا، وعندما ينتهي صراع القطبين ليبقى على الساحة قطب واحد مدفوعا بفائض القوة لوضع «استراتيجية القرن الأميركي» للسيطرة وحيدا على العالم، وبشن الحروب الساخنة بحماقة القوة الفائضة ضد الدول الصغرى المستقلة، وتمركز قواعده العسكرية فيها، وإعادة رسم خرائطها للسيطرة على ثرواتها ووضعها في دائرة مناطق نفوذه، تحقيقا لمصالحه الاستراتيجية الاستعمارية..

يكون استقلال العالم الثالث الذي كان الحفاظ عليه هو الهدف الرئيسي لانطلاقة حركة عدم الانحياز، مهددا في ظل عالم وحيد القرن الأميركي، ومطلوبا بصورة أكبر مما كان عليه في ظل التوازن بين القطبين، وبسبب اختلال ميزان القوى الذي كان توازنه يشكل حماية للدول المستقلة.

ما يدعونا إلى استنتاج موضوعي وواقعي هو أن العالم، وخصوصا الدول المستقلة الصغرى فيه، بحاجة الآن في ظل جنوح وحيد القرن الأميركي، إلى تأكيد سياسة عدم الانحياز وتقوية دورها في الساحة الدولية، وتعميق مبادئها في السياسة الدولية أكثر من أي وقت مضى.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com